«

»

النص المترابط ، النص الإلكتروني في فضاء الإنترنت

                        1 . تقديم : مفهوم النص والمعنى المتجدد :

1 . 1 . إذا كان مفهوم النص قد اتخذ في القرن العشرين دلالات خاصة ، واحتل موقعا متميزا في مجمل العلوم الأدبية والإنسانية إلى الحد الذي يمكننا معه اعتبار القرن العشرين عصر النص بامتياز ، فإن التنويعات التي تحققت من خلال البحث فيه ، وخاصة منذ السبعينيات ، وتشكل إحدى روافده التي تم الكشف من خلالها عن خصوصياته المتنوعة ، أدت إلى ظهور مفاهيم جديدة تمتح من معينه ، وتترك الباب مفتوحا للإمساك بالعديد من سماته وتجلياته في القرن الواحد والعشرين .

1 . 2 . يمكننا إجمال مختلف التنويعات التي تحققت بصدد النص تحت مفهوم واحد هو “التفاعل النصي” ، أو ” التناص ” كما هو شائع . لكن مختلف الاجتهادات التي تحققت منذ بداية تأثير اللسانيات في البداية ، والعلوم الإنسانية والحقة في مرحلة أخرى (الثمانينيات)، وأوجدت مفهوما موازيا هو ” الخطاب ” الذي استقطب الاهتمام المتزايد منذ الستينيات ، جعلت المكانة الفضلى للنص ، ومختلف التنويعات التي تتصل به من جهة لأنها لم تكن تلامس فقط ” النص ” المتحقق ، ولكن النصوص ” الممكنة ” والتي بدأت العديد من سماتها تتشكل بناء على تطور النص كتابة وإبداعا ، كما أهلته ليتطور وينفتح على آفاق أوسع بظهور تجليات نصية جديدة ، ومحاولات جديدة للتنظير له ، وتعميق البحث فيه من جهة أخرى .

1 . 3 . يبدو لنا ذلك واضحا بجلاء في ظهور مفاهيم جديدة للنص ، تتجاوز المعارف المتحققة بصدده ، وشرعت تطرح بدائل أو إبدالات جديدة في التحديد والتنظير . من هذه المفاهيم الجديدة نجد : النص الإلكتروني ، النص الرقمي ، النص المترابط ، السيبرنص،،، وكل هذه المفاهيم وهي تتصل بالنص عموما ، صارت توظف في نطاق أجناس أو أنواع معينة : الأدب الرقمي ، الرواية المترابطة ،،، وأوجدت في الوقت نفسه مفاهيم جديدة لممارسات ” نصية ” جديدة ، وأنواع إبداعية لم تكن موجودة في مراحل سابقة .
إنها مفاهيم جديدة ، متنوعة ومتعددة . تتقارب دلالاتها أحيانا كما أنها تتداخل وتختلف أحيانا أخرى . لكن ما يجمعها كلها هو أنها وليدة وسيط جديد : هو الحاسوب .
نحاول في هذه الدراسة الوقوف عند الدلالة الجديدة لهذا ” النص ” الجديد ، رابطين إياه بالوسيط الذي أدى إلى تبلوره وبروزه ، منطلقين في ذلك من فكرة مؤداها أنه إذا كان مفهوم ” النص ” وليد القرن العشرين، فإن هذا المفهوم الجديد الذي بدأ في الظهور منذ أواخر القرن الماضي ، والذي بدأ يحتل موقعا خاصا في الدراسات الأدبية والإنسانية في بدايات القرن الحادي والعشرين ، بحيث يمكننا الذهاب بدون خوف المبالغة إلى أنه سيكون بدوره المفهوم المحور في مختلف أدبيات هذا القرن .

1 . 4 . فما هو هذا المفهوم الجديد للنص ؟ وبماذا يختلف عن مفهوم النص ومجمل المفاهيم لتي تتصل به ؟ وما هي الدلالات التي يحملها هذا المفهوم ، وبها يتميز عن المفهوم الذي جاء ليحل محله ، أو يحتل موقعه ، باعتباره امتدادا وتطويرا له ؟ وما هي الإسهامات التي جاء لتحقيقها بديلا عن المفهوم القديم ؟ تلك وغيرها من الأسئلة التي تفرض نفسها أمام أي مفهوم جديد ، هي ما سنحاول تناوله في هذه الدراسة التي نبغي من ورائها رصد جوانب خاصة بهذا المفهوم وبعض ما يتعلق به في صلاته بالوسيط الجديد الذي أوجده وأدى إلى إعطائه ملامحه الخاصة والمتميزة .

2 . استعمالات ” النص الجديد ” في اللغة العربية :

2 . 1 . إن المفاهيم المتداولة في اللغة العربية كمقابل لهذا النص الجديد متعددة ، ويمكننا ترتيبها على النحو التالي ، وذلك بهدف مناقشة مدى ملاءمتها للحمولة الدلالية التي يستوعبها هذا المفهوم في الاستعمالات التي يوظف لها في اللغات الحية .
لقد دفعنا رصد الاستعمالات المتعددة لما يتصل بهذا المفهوم إلى التمييز بين منطلقين أساسيين في وسم هذا النص . يركز المنطلق الأول على الوسيط ، أما الثاني فينطلق من طبيعة النص في علاقته بالفضاء .

2 . 1 . 1 . النص والوسيط : نجد أولا من ينطلق من “الوسيط ” لتعيين خصوصية هذا النص . وبالانطلاق من هذا الوسيط الذي هو ” الحاسوب ” ، يوسم هذا النص تارة ب”الإلكتروني ” ، وطورا ب” الرقمي ” . إن هذين الاستعمالين يوظفان كمقابل ل” Eléctronique ” ، و” Digital ” أو” Numérique” في اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وهما معا يشيان بالارتباط الوثيق بين النص والوسيط أو الجهاز الذي يتم من خلاله التعامل مع النص إنتاجا وتلقيا . ولقد تعدى هذا الاستعمال مفهوم النص ليتصل أيضا بالأدب ، فنجد الحديث مرة عن ” الأدب الإلكتروني” أو عن ” الأدب الرقمي ” وأخرى عن بعض الأنواع مقترنة بأحدهما ، فنقرأ مثلا : الرواية الإلكترونية أو الشعر الرقمي … ونقدم لذلك مثالا من الإبداع العربي حيث سمى الكاتب الأردني محمد سناجلة تجربته الروائية الرائدة التي تعتمد التكنولوجيا الجديدة في التواصل ب” الرواية الواقعية الرقمية ” وفي موقع اتحاد كتاب الإنترنيت العرب نجد زاوية تحمل عنوان ” الكتابة الرقمية ” (1) وأخرى للنشر الإلكتروني .
إن ربط النص أو الأدب بالوسيط فقط لا يدل دلالة حقيقية على طبيعة هذا النص الجديدة . صحيح أننا نجده يوحي إلى تميزه عن أنماط نصية قديمة ارتبطت بوسائط مختلفة مثل : الشفاهية أو الكتابية ( المخطوط ، المطبوع). لكن التعويل على هذا البعد المتصل بالوسيط وحده لا يجسد الطبيعة الخاصة بهذا النص . لذلك نرى أن ” الإلكتروني” أو ” الرقمي ” يستعمل هنا مقابلا ل” الورقي ” دون أن تكون له أي حمولة حقيقية لخصوصية هذا ” النص الجديد ” ، وذلك لاعتبار بسيط هو أن النص ” الورقي ” يمكن أن يقدم من خلال الجهاز الجديد (الحاسوب ) وهو يحافظ على كل مقوماته ” النصية ” التي لا تتأثر بالوسيط إلا من خلال الفارق الحاصل بين الورقي والإلكتروني أو الرقمي : إذ بدل الصفحات نجد أنفسنا أمام شاشة الحاسوب .

2 . 1 . 2 . النص والفضاء : إذا كان الاستعمالان السابقان ( الإلكتروني والرقمي ) يحيلان بشكل مباشر إلى دور الوسيط ـ الجهاز في تقديم النص والتواصل معه من خلال شاشة الحاسوب ومستلزماته ، فإن المفهومين الآخرين اللذين يوظفان لتوصيف النص الجديد يتخذان أبعادا أخرى ومواصفات مختلفة . أما أولهما: ” النص المترابط ” Hypertexte ، وهو المفهوم الأقدم تاريخيا ( 1965 ) ، والذي استعمله لأول مرة تيد نيلسون (2) ، فقد استخدم للدلالة على ” تنظيم ” النص وكيفية بنائه من خلال ترابط عناصره ومكوناته : حيث أن النص يتكون من ” عقد ” يتم وصل بعضها ببعض بواسطة “روابط “.
أما المفهوم الثاني فهو ” السيبر نص ” Cybertexte الذي وظفه لأول مرة آرسيت Espen J.Aarseth ، فيتخذ بدوره دلالة خاصة تتصل بشكل بنائه وطبيعة تشكله ، إلا أنه يعطينا بعدا أعقد من الدلالة التي يتضمنها النص المترابط . ولذلك يعتبر بعض الباحثين أنه جاء ليشكل تطويرا للنص المترابط وتجاوزا له في الوقت نفسه (3) . إن مفهوم النص المترابط والسيبرنص يتأسسان في علاقتهما بالفضاء في صوره المختلفة التي سنتوقف عندها .
نتبين من خلال هذين المفهومين الأخيرين أنهما لاينطلقان من الوسيط في حد ذاته كما رأينا مع المفهومين السابقين . ولكنهما يختلفان في العمق لأن المفهومين وهما يتشكلان على علاقة خاصة بالفضاء ، ينطلقان بدورهما من الوسيط ، وبدل الاكتفاء بالدور الذي يضطلع به في إنتاج النص وتلقيه فقط ، يعيران أهمية خاصة لما يمكن أن يلعبه هذا الوسيط في طبع النص بملامح متميزة لا تتحقق بالكيفية نفسها مع النص الذي لا يوظفه، فيصبح النص بذلك مجسدا لطبيعة مختلفة وخاصة تتحقق بواسطة الجهاز أو الوسيط ، وليس فقط من خلال إحدى صلاته به .
إن الفرق جلي بين المجموعتين المفهوميتين ( الوسيط والفضاء ) ، رغم الطابع المشترك بينهما . يبرز هذا الفرق في كون النص يمكن أن يكون إلكترونيا ورقميا دون أن يكون نصا مترابطا أو سيبرنصا : فالرواية الورقية مثلا ، يمكن أن نقرأها من خلال الحاسوب بواسطة أحد برامج القراءة أو التصفح ( الوورد، البدف،،،) دون أن تكون قائمة على الترابط أو التفاعل التي هي السمة الجوهرية للنص المترابط ومعه السيبر نص.
وتبعا لهذا التمييز يمكننا استعمال كل مفهوم للدلالة على ما يوحي إليه . ولما كانت الطبيعة الوسيطية تحيل على خاصية مميزة للنص ، فإنها لاتكتمل إلا باتخاذ النص الطابع الفضائي الذي يمنحه الحاسوب : أي ملاءمة النص للوسيط ومتطلباته ملاءمة تامة ، لاجزئية فقط .
لذلك كانت السمة الإلكترونية أو الرقمية غير دالة ، بصورة ثابتة ، على خصوصية النص أو اتصاله بالمفهوم الجديد للنص ، ما لم تتحقق من خلال البعد الفضائي الذي يتواءم ، بصورة جوهرية ، مع الجهاز من جهة ومع فضاء الإنترنيت من جهة أخرى . إذ في غياب الصورة الأخيرة ، يظل النص غير مختلف كثيرا عن النص الورقي لأنه يبقى خطيا ، ولكنه مقدم من خلال الحاسوب : قد ننعته بأنه إلكتروني أو رقمي ، ولكنه غير ترابطي .
يعني هذا التمييز أن النص الجديد ، والذي يصح نعته بأنه كذلك ، هوالنص الذي يدمج في آن واحد بين البعدين المتصل أولهما بالوسيط ( الحاسوب ) ، والثاني بالفضاء الذي أوجده ذاك الوسيط ( الفضاء الشبكي ). ولا يتحقق ذلك إلا مع النص المترابط والسيبرنص .
تبعا لهذه التدقيقات ، نرى أن الاستعمالات العربية لما يتصل بالمفهوم الجديد للنص في حاجة إلى تدقيق . لا مشاحة في استعمال المفهومين : النص الإلكتروني والنص الرقمي لأنها لا تثير أي مشكلة مفهومية أو اصطلاحية مع إمكان التمييز بين النص الإلكتروني الرقمي أو الإلكتروني البسيط وهو الذي يكتفي بنقل النص الورقي إلى الحاسوب ، والحقيقي وهو الذي يقوم على الترابط . وهذا هو المعنى الحقيقي لهما في الأدبيات الغربية .
أما المصطلحات الأخرى التي توظف كمقابل ل” Hypertext ” فهي التي تستدعي منا نوعا من التدقيق والاتفاق . فمن المصطلحات المستعملة نجد : “النص المتشعب” ، و”النص المفرع” ، و”النص الفائق” ، وهي في رأيي مجتمعة لا تدل دلالة ملائمة على خصوصية هذا النص الإلكتروني . فالمتشعب والمفرع يرصدان جانبا من طبيعة هذا النص ، بالإيحاء إلى أنه ذو شعب وفروع . لكن تشعب النص وتفرعه ، لا يعني بالضرورة ترابط شعبه وفروعه. فعلاوة على كون التشعب والتفرع من سمة أي نص ، شفويا كان أو كتابيا ، فإن العنصر الجديد الذي يتضمنه النص الجديد يكمن في ” الربط ” بين هذه التشعبات والتفرعات ، وفي نوعيتها وطبيعتها ، لأنها هي التي تضفي على النص طبيعته التنظيمية والدلالية الخاصة . وهذا هو المعنى الحقيقي للمفهوم : فنيلسون كان ، وهو يفكر في ” النص المترابط ” ، أمام نصوص ووثائق كثيرة متنوعة ومتعددة : إنها الشعب والفروع ،،، لكن مشكلته الرئيسية كانت تكمن في كيفية ” الربط ” بينها والانتقال بين شعبها وفروعها . لهذا الاعتبار نرى أن مفهوم ” النص المترابط ” أدق في توصيف هذا النص الجديد . أما النص ” الفائق ” ، فترجمة غير موفقة على الإطلاق ، ولعل مستعمله انطلق من السابقة ” Hyper” فرآها تدل على الكثرة أو ما شاكل ذلك ، فحسب أن “الفائق ” تعني ذلك بالنسبة للنص وهي غير كذلك .
فما هي صلة النص المترابط بالجهاز ( الوسيط ) وبالفضاء ؟ وما هي خصوصية هذا النص الجديد ، رهان القرن الواحد والعشرين ، بالمقارنة مع النص ” القديم ” الذي ظل ارتباطه متصلا بالورق ؟

3 . النص : بين الفضاء النصي والفضاء الشبكي :

سنتجاوز الآن مفهوم النص الرقمي أوالإلكتروني ، إما بسبب كونهما معا متضمنين في النص المترابط بالتلازم ، أو لأنهما غير مبنيين على الترابط ، ومن ثمة فهما لا يختلفان عن النص الورقي . وهذه السمة لا تمنحهما الصلة العميقة بالنص الجديد الذي ينهض على أساس الترابط والتفاعل ، ونخصص حديثنا للنص المترابط ( ومن خلاله السيبر نص ) من خلال التركيز على صلتهما بالإنترنيت أو الفضاء الشبكي .
يدفعنا الحديث عن الفضاء في صلته بالنص إلى الانطلاق من التمييز بين مستويين للفضاء : النص باعتباره فضاء ، والفضاء النصي .

3 . 1 . النص باعتباره فضاء :
علاقة الإنسان بالفضاء علاقة ملغزة . إننا لا نعيش فقط في الفضاء الذي يحيط بنا بأشيائه واشخاصه وأحداثه ( ما نسميه عادة بالواقع ) ، ولكن كل واحد منا يخلق له فضاءاته الخاصة . ولما كانت علاقة الفضاء بالزمان وثيقة إلى الحد الذي يصعب معه التمييز بينهما ، فإننا نعيش ، في آن واحد ، أزمنة وفضاءات متعددة ( الحلم ـ الذاكرة ـ التخيل ـ الاستيهام ،،، ) ونجاح الإنسان في ابتكار الفضاء الشبكي ( الإنترنيت ) دليل كبير على مكابدة الإنسان القديمة مع الزمان والفضاء ، ورغبته في تحقيق مجال أوسع للإحاطة بالفضاء والانغمار فيه والتحليق في أجوائه . ويبدو لنا أن النص ( كيفما كان جنسه أو نوعه ) كان واحدا من الفضاءات التي خلقها الإنسان منذ القدم باعتباره فضاء موازيا لفضائه الواقعي .
فما هي علاقة الفضاء بالنص والفضاء الشبكي على وجه التحديد ؟
كثيرا ما تحدثنا عن النص كعالم أو واقع أو تجربة ” حية ” ينقلنا إليها فعل القراءة . إننا حين ننغمر في ” النص ـ الفضاء ” ندخل عالما مفارقا لعالمنا حيث نلتقي بشخصيات متخيلة وفضاءات وأحداثا واقعية أو متخيلة . وعندما ننتهي من فعل القراءة ، ونغلق الكتاب ـ النص ، ” نعود ” إلى عالمنا .
إننا مع النص ” نحلق ” في عوالم الخيال وفضاءاته : نطير في الأجواء . ونحن حين نمسك بالنص فذلك لتحقيق هذه المتعة : متعة التحليق في العوالم المتخيلة ، والنص الجيد هو الذي يوفر لنا أكبر قدر من التحليق نعود معه محملين بفوائد لا حصر من تلك العوالم التي ” طرنا ” إليها . إن أي قارئ جيد هو سندباد “بحري” بالضرورة .
إن النص ، تبعا لهذا التحليق الذي يخضعنا له يدفعنا إلى ” العيش ” في واقع آخر مفارق أو مناقض أو مطابق ل” واقعنا ” . من هنا جاء ذلك التعريف القديم للأدب ، ومن ثمة للنص الأدبي ، أو الفني بوجه عام ، بأنه تمثيل للواقع أو تجسيد له بإحدى الصور والأشكال التي تتحقق أحيانا من خلال التماثل معه أو الاختلاف عنه .
يجعلنا النص باعتباره فضاء ، نحلق في أجوائه التي يقدمها لنا . وأجواء فضاء النص هي أحيانا ذات طبيعة واقعية ، على غرار ما نجده في الواقع الذي نعيش فيه ، أو مستمدة من العوالم العجائبية والتخييلية أحيانا أخرى، وإن كانت تمتح من الواقع إلا أنها منزاحة عنه .
في كل هذه الحالات التي نندمج فيها في عوالم النص وفضاءاته ، كانت طبيعة النص الفضائية تسعى إلى تحقيق هذه الغاية . لكن الملاحظ هو أن الأنواع النصية ( السردية ، الدرامية ، الشعرية ،،، ) المختلفة كانت تتباين في تجسيد هذا الانغمار في الفضاء الذي يخلقه لنا النص . كما أن العصر الحديث أوجد فنونا جديدة تساهم في تحقيق الانغمار ذاته (السينما مثلا ) . وما يجمع كل النصوص الأدبية والفنية ( سواء كانت شفاهية أو كتابية أو صورية ،،، ) ، من خلالها بعدها الفضائي ، هو أنها تحقق ذلك الفعل بطريقة خطية : أي أن القارئ أو المشاهد أو المستمع يتابع النص من بدايته إلى نهايته . وهو في إنجازه لهذه العملية الانغمارية في النص، يعمل باطراد على إعادة تشكيل النص ، وبنائه ، ليحقق بذلك تكوين المعنى أو الدلالة . لكن مع النص المترابط ، تأخذ عملية الانغمار في النص بعدا آخر مختلفا ، لأنه ينطلق من وسيط مختلف ، جاء ليحقق أسلوبا وطريقة جديدة في التواصل والإبداع والتلقي : إنها الطريقة التفاعلية . وهذه الطريقة ، وهي تأتي استجابة لتحول الوسيط ، تقدم صورة جديدة للفضاء لأنها تنقلنا من الحديث عن النص باعتباره فضاء إلى النص ـ الفضاء حيث يأخذ التنظيم النصي بعدا جديدا ، يتماهى والشروط التي يفرضها الفضاء الشبكي ( الإنترنيت ) الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلاله .

3 . 2 . الفضاء النصي :
نقصد بالفضاء النصي الطريقة التي يتشكل بها النص على سطح الصفحة ، وشكل تقطيع أجزائه ومكوناته التي من خلال قراءتنا لها ، وربطنا بين مختلف عناصرها نكوّن عوالم النص وفضاءاته . وإذا كان الفضاء النصي في النص ما قبل المترابط يبنى بطريقة خطية ، فإننا مع النص المترابط أمام اللاخطية التي تجعلنا أمام طريقة مخالفة في بناء النص حيث لا يبدو لنا من النص إلا ما يتقدم إلينا من خلال شاشة الحاسوب . وما يبرز على الشاشة ليس النص بكامله : إنه فقط شذرة أو عقدة من النص . وهذه الشذرة تتضمن عددا من ” الروابط ” التي من شأن تنشيطها الانتقال إلى عقد أخرى تكون غير مرئية قبل عملية التنشيط ، وهي تتضمن بدورها عددا من الروابط الأخرى . إننا هنا أمام اللاخطية أو تعدد الأبعاد الذي يعطينا فرصة الانتقال في ” فضاء ” النص بطريقة حرة لا تراعي تسلسل أجزائه ومقاطعه ، الشيء الذي يجعل النص أمام احتمالات الانغمار المتعدد أو القراءات المتعددة: أي أن قارئ يخلق له مساراته الخاصة ، ومن ثمة نصه الخاص .
انطلاقا من الصورة التي يتخذها النص المترابط في عملية بناء فضائه الخاص ، نجد التباين الشديد بينه وبين النص التقليدي . إنه نص يقوم على الترابط الذي يتحقق من خلال ” الفعل ” الذي يضطلع به القارئ . وهذا الفعل الذي يتم من خلال تنشيط الروابط يضعنا بكيفية واضحة أمام ” تفاعل ” القارئ مع النص . لذلك نجد الترابط وشيج الصلة بالتفاعل. ولهذه الاعتبارات نتحدث عن الدور ” الإيجابي ” الذي يضطلع به القارئ في تعامله مع النص المترابط . وعندما لا يكون القارئ قادرا على التفاعل مع النص ، يكون عاجزا عن التعامل معه ، أو الانغمار فيه ، أو تحقيق الإبحار في عوالمه وفضاءاته .
إن الفضاء النصي ، وهو يتأسس على قاعدة الترابط والتفاعل في النص المترابط ، يتخذ ميزة جديدة لم تكن متوفرة في النص التقليدي . إنها ميزة جديدة لأنها تجعل عملية بناء النص أو تنظيمه فضائيا جزءا أساسيا من عملية إنتاجه وتلقيه في الوقت نفسه .
ما كانت لتتحقق هذه الميزة في النص المترابط لولا الوسيط الجديد ( الحاسوب ) الذي فرض عليه تجسيد بعده الفضائي بطريقة أوضح وأجلى مما كانت عليه في السابق ، وجعله بذلك يتشكل وفق صورة الفضاء الذي أدى إلى ظهوره باعتباره جزءا من بنيته الأساسية : أقصد الفضاء الشبكي ( الإنترنيت ) .
إن الترابط ورديفه التفاعل هما سمة أساسية من السمات التي انبنت عليهما التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل (NTIC ) . ويبدو لنا ذلك بجلاء مما يلي :

أ . ترابط مكونات الحاسوب الذاتية : إن الحاسوب كوسيط جديد يختلف اختلافا كبيرا عن الآلة الكاتبة التقليدية التي كانت تقتصر على إنتاج نص خطي . إنه يتكون من مجموعة كبيرة من البرامج التي يضطلع كل منها بوظيفة مختلفة ، ويمكن مع ذلك ترابطها لأداء مهمة محددة . كما أنه يتشكل من مجموعة من الأيقونات المستقل بعضها عن بعض، وفي تنشيط أي منها نقوم بوظيفة تتضافر وتترابط مع غيرها من الوظائف فنتاج وظيفة معينة. يظهر لنا أن هذا الحاسوب ليس وسيطا ( الجهاز ) فقط ، إنه فضاء تتعدد عوالمه وفضاءاته ومكوناته : إنه يتشكل من مواد لإنتاج الكتابة والصوت والصورة وتلقيهما . وكل هذه المواد قابلة لأن تترابط في بينها في ” نص ” واحد تترابط فيه هذه الأشياء كلها .

ب . انغمار الحاسوب في الفضاء الشبكي : هذا الحاسوب : الفضاء الذاتي الذي نتمكن من خلاله من إنتاج نص مترابط ، قابل لأن ينفتح على حواسيب في العالم أجمع بواسطة وصله بمودم بالفضاء الشبكي ( الإنترنيت ) . إن وصل الحاسوب بالفضاء الشبكي يجعلنا ننتقل من الفضاء الواقعي أو العجائبي اللذين كانا يتحققان مع النص التقليدي إلى فضاء آخر هو الفضاء الافتراضي ، الذي لم يكن له وجود قبل ظهور الفضاء الشبكي .

4 . على سبيل التركيب :

إن النص المترابط يمتح من هذا العالم المتعدد الفضاءات ، والذي يتعدى النص باعتباره فضاء إلى الفضاء النصي وقد صار بدوره جزءا من تركيبة فضاء أشمل هو الفضاء الافتراضي . وفي هذا الفضاء الافتراضي يكتسب النص المترابط كل منجزات النص القديم : إنه ” عالم ” ، فضاء مترابط ، يترابط فيه الشفوي بالكتابي بالصوري بالحركي ، بصورة لم تتحقق في أي نص سابق لذلك كان النص الشبكي أو السيبرنص ، وهو يتحقق في الفضاء الشبكي نتاج كل التطور الذي تحقق في تاريخ البشرية وهي تسعى إلى خلق فضاء نصي تنغمر فيه بصورة مبدعة وخلاقة ، فكان لها ذلك مع النص المترابط ومع فضاء الإنترنيت .

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/AljehaAhkhamesa/saeed_yaqaten.htm

أضف تعليقاً

Your email address will not be published.