«

” خصائص الكتابة عند جبران ” للهادي العيادي

” خصائص الكتابة عند جبران ” للهادي العيادي

الهدوء الرصين

سعيد يقطين

 

1 . النقرة الصافية :

    من يحتك بالهادي العيادي ، أو يعاشره ، ولو لمدة قصيرة ، يكتشف عيارا خاصا من الناس ، ومعدنا إنسانيا أصيلا ونادرا في ظل عصر يفرض إكراهاته على العلاقات ، ويؤثر بشكل سلبي على السلوكات والأخلاقيات .

    السي الهادي ، كما يقال عندنا في المغرب ، نقرة صافية . يبدو لك وكأنه من بقايا إنسان لا علاقة له بعالم الناس هذا . يكرس وقته للبحث والعمل بشكل ينأى به عن إقحام نفسه فيما لا يفيد ، ويبعد به عن الانخراط فيما يلحق الأذى بالآخرين.

    هذا هو الانطباع الذي تشكل لدي عنه من خلال لقاءاتي به في القيروان المصونة . وتأكد لي من خلال قراءة كتابه هذا . إنه يعكس أخلاقه الرفيعة ، وصفاء ذهنه الوقاد وروحه السامية : لاتجد الاستطراد المخل ، ولا الأنانية الزائفة ، ولا الإعجاب بالذات الذي يصل حد الهوس . ولكنك واجد، لا محالة، هدوء النهر العميق ورصانة الجبل الوديع.

2 . العود أحمد، وهذا أحسن:

    يعود بنا الهادي العيادي إلى مرحلة موغلة ، في فترة ، من فترات مراهقتنا أيام كنا نلتهم الكتاب التهاما ، بحثا عن تصيد متعة حسية نفتقدها في الحياة ، أو تنقيبا عن ذات متوترة متحفزة تبحث عن إثبات وجودها ولغتها ، آملة تحقيق مستقبل يحبل الحب وتتجسد فيه كل الرغائب .

    كانت نصوص جبران خليل جبران والمنفلوطي ومحمد عبد الحليم عبد الله ومن لف لفهم محطة نتدرب فيها على القراءة ، وننغمر في عوالم لغة متخلقة ، تختلف عن اللغات التي نتكلم بها أو اللهجات التي نرطن بها. كانت كل هذه النصوص لحظة عابرة نتعلم من خلالها أبجديات الحب واللغة والكتابة . ثم سرعان ما نكبر عنها ، فجأة ، لنجد أنفسنا نلتحم بالواقع وبلغته وشجونه وقضاياه الشائكة . لذلك قلما نجد أنفسنا نعود إلى مثل هذه النصوص ، وإن كنا ننصح بها من هم أصغر منا ، لنقرأها قراءة أخرى غير تلك التي كانت لضرورات امتلاك أسلوب ، أو اجتياز اختبار ، أو تحقيق متعة رومانسية وعاطفية عابرة .

    حين يعود بنا الهادي العيادي إلى نصوص جبران ، وهذا العود أحسن ، فلكي يبرز لنا أن ل” الكتابة ” عند جبران خصائص ومميزات . وهذه المميزات والخصائص تنأى بها عن كونها موجهات للأحداث الذين يكبرون عن قراءة مثل هذه النصوص كلما كبروا في الحياة . وأن النص الجبراني غني بإيحاءاته ورمزياته التي تتعدى كونه مكرسا لفئة عمرية دون أخرى ، وأن جبران يمكن أن يقرأه :

أ . الأحداث ، للاعتبارات التي كان معلمونا يوجهوننا إليه ، والتي يمكن اختزالها في امتلاك الأسلوب وتمتين الكتابة ( الإنشاء) .

ب . القارئ بصفة عامة بسبب ما يختزنه النص الجبراني من طاقات وبما يتوفر عليه من عوالم لاكتناه ما يحفل به من خصائص تتعالى على الزمان وتدرجه في نطاق الأدب السامي العالمي .

    فعلا . لقد تبين لي من خلال قراءة الكتاب ” خصائص الكتابة عند جبران ” للهادي العيادي أن التحليل يفي بالغرض ، وأن جبران يمكن أن يقرأ أبدا ، وكل قارئ يجد لديه بغيته وضالته . وبذلك يحقق هذا الكتاب هدفا مركزيا في تقديري ، وهو ” عودة النص ” .

    يعود النص الجبراني محملا برؤية جديدة ، ومحمولا على ركائز قراءة جديدة . لقد سلبت عنه هذه القراءة الصورة التي انطبعت في متخيلنا القرائي . وتلك المزية الأساس لهذا الكراس .

3 . القراءة الهادئة الرصينة :

    قلما يعكس الاسم المسمى. لكن هذا الهادي مثل الهادئ . همزة تصل الهداية بالهدوء ، فإذا هي قراءة تهديك بهدوئها إلى إعادة القراءة النص الجبراني فترى نصا مختلفا عن النص الذي قرأت في زمان ولى وانقضى . كنت أعود بين الفينة والأخرى إلى نصوص جبران لاستعادة المخزون وترهينه من خلال مواصلة القراءة الممتعة المتمعنة ولتي تحققت لي ، وأنا أتابع فصول الكتاب التسعة .

    تبين لي أن الباحث الهادي باحث رصين يراعي قواعد البحث العلمي ويتمسك بها في التفكير والتعبير . يتتبع الكتابات النقدية التي أنجزت حول النص الجبراني ( مقالات وكتبا وأطاريح ) بصبر المدقق وحنكة العارف ، فيسدد ثاقب رؤيته إلى الحدود التي انتهت عندها ، آملا في تجاوزها ، بعد العلم بحدودها والوعي بشروطها .

    ثم ينتقل إلى العوالم الجبرانية محلقا في ثوابتها الأسلوبية والكتابية ، بعد أن ذلل العتبات ومسحها بكيفية كلية ، وانتهى فيها إلى خلاصات مفيدة تثبت أن فضاءات جبران النصية بنيت من مادة منسجمة ، وأقيمت على دعائم متناغمة .

    كانت قراءة العتبات دقيقة تنم عن تتبع ورصد أمين ومستوف للأعمال الكاملة بما تضمه من نصوص ورسوم ، فاستخلص تكامل القلم والريشة ، وهما يتصافحان لمعانقة خيال مجنح ، ويمنحان كتابة جبران كامل الأبعاد التي تميزه وتخصه ، بالنظر إلى غيره من مجايليه .

    لم يفت الباحث الهادي العيادي الانتباه إلى الخلفية النصية التي كانت وراء المعرفة والتجربة ، فجلى من خلالها كل الموضوعات والتيمات وأنماط العلامات والرموز ودلالاتها المختلفة ، وهي تتجسد من خلال كتابة تتعدد فيها الأجناس والأنواع .

    رصد بعد ذلك الشعر وإيقاعاته وبلاغة الصورة وخصائص الاستعارة ، وأبعاد اللغة ورموزها المختلفة . أنجز القراءة الكلية والجزئية ، وزاوج بينهما متنقلا بين النصوص بمهارة وحذاقة ، ثم لملم مختلف الأطراف التي راكم من خلال عملية التحليل مستنتجا بناءات وتراكيب الكتابة الجبرانية ، رابطا الكل بالجزء ، وواصلا بين العام والخاص والأخص .

4 . شفافية اللغة :

    إنها قراءة شمولية لخصائص الكتابة الجبرانية وتوكيد على مياسمها المائزة والمحددة لتجربة خاصة في تاريخ الأدب العربي الحديث . لقد وفق الهادي العيادي في اختيار جبران مادة لإعادة التفكير في النص . ومكنته خصوصية التجربة الجبرانية من توظيف كل معارفه النقدية والبلاغية والأسلوبية إلى جانب ثقافة واسعة تتسع لتشمل الإنسانيات في مختلف فروعها ، فقدم لنا بذلك قراءة جديدة ومقاربة مغايرة .

    يجد القارئ في هذا الكتاب مادة علمية ومعرفية غزيرة إذ لم يترك الهادي مبحثا إلا ومهد له ، بإيجاز وإيفاء . وقدم لنا كل ذلك بلغة جيدة ، شفافة ومنسابة وواضحة . لقد أبقى الباحث مسافة بينه وبين مادة المتن أو المدونة المحللة ، وهي ذات لغة آسرة ، فلم يتأثر بسلطتها ، ولم يخضع لمراغماتها . كما أنها لغات معارف لها مصطلحاتها ومفاهيمها ، لكنه لم ينجر إلى الغموض أو الإبهام الذي يبرر بهما عادة تقعر اللغة أو عدم تماسكها . وحتى في ترجمة النصوص التي كان يستشهد بها ، نلاحظ السمات نفسها التي تطبع لغة الهادي : تراكيب سليمة مفردات موظفة في مقاماتها الخاصة ، جمل مبينة باقتصاد وفقرات موزعة بمقدار .

    تبين لنا هذه اللغة التي قدم بها هذا الكتاب مهارة الباحث وقدرته على التفاعل مع النص الجبراني ومع المادة المعرفية والمنهجية التي اعتمدها في تناول خصائص الكتابة عند جبران . تدل هذه المهارة على عشق الباحث لموضوعه ولغته ورغبته في تقديم أثر ذات لها قدرتها على الفعل الإبداعي والنقدي عن طريق إنجاز قراءة ممتعة ومتفردة .