«

»

ثقافة الصيف: مهرجانات المدن ومواسم البوادي

حديث الصباح / الأربعاء 27 يونيو 2012

من النشاط الثقافي إلى الفعل الثقافي

سعيد يقطين

   إذا كانت فصول السنة تفرض إيقاعها على الحياة بسبب خصوصياتها، فإننا ننظر إليها نظرتنا إلى الأسبوع. وإذا كانت أيام الأسبوع الخمسة للعمل، ويومان للراحة، فكذلك نجد الفصول الثلاثة للجد والصيف للترفيه. ينسحب هذا التوزيع الزمني على الممارسة الثقافية، ويبدو ذلك في كون الفصول الثلاثة تسخَّر للثقافة العالمة، لكن ثقافة الصيف تتصل بشكل خاص بالثقافة الجماهيرية من جهة، والثقافة الشعبية من جهة ثانية. ولطه حسين كتاب يميز فيه بين جد الشتاء وهزل الصيف، وعلاقة كل منهما بالإنتاج الثقافي.

   في الصيف المغربي تكثر المهرجانات في المدن، والمواسم في البوادي. وإذا كانت ظاهرة المهرجانات قد أصبحت تقليدا ثقافيا بامتياز بحيث صارت العديد من المدن المغربية معروفة بمهرجاناتها السنوية (ولعل مدينة أصيلا صارت نموذجا عربيا وعالميا)، فإن ظاهرة المواسم الفلاحية ضاربة في عمق التاريخ المغربي، وتبين لنا بالملموس حاجة الفلاح المغربي إلى الاستمتاع بفصل الصيف بعد عام كامل من التعب والعناء والمكابدة، على طريقته الخاصة، وقد صارت تقليدا حيويا يمتزج فيه المتخيل الشعبي بالجسد الفلاحي، خالقا بذلك أداة لتجدد القيم واستمرارها، وتوازنه الروحي والمادي بكيفية دقيقة وعميقة.

    ارتبطت ظاهرة المهرجانات بحركية سياسية ذات خلفية سياحية، لا ثقافية. وتولدت مع تطور ممارسة المجالس البلدية والقروية، ومع بروز جمعيات السهول والأنهار والجبال خلال السبعينيات لتضطلع بأدوار سياسية خاصة، في غياب سياسة ثقافية وطنية واضحة المعالم. كما أنها صارت مناسبة لصرف الميزانيات بذريعة المساهمة في ” النشاط” الثقافي و”تنشيط” الثقافة الجهوية. وإذا كانت ظاهرة المواسم قديمة في تاريخ البادية المغربية، فقد أقدم إدريس البصري على تقليصها، بل وإزالتها نهائيا من بعض المناطق، لتحل محلها أنشطة تلك الجمعيات، أو لتركز في منطقة خاصة: كل المواسم التي كانت في الشاوية، وهي عديدة، تم “تجميعها” في مدينة سطات؟ وفي أواخر التسعينيات عادت هذه المواسم إلى سابق عهدها.

    ظاهرة المواسم الشعبية تراث مغربي أصيل. تقام عادة في أواخر الصيف، وتعقد حول ضريح ولي أو صالح، وتكون “التبوريدة” حلقتها المركزية. أثير حولها جدل منذ السلطان المولى سليمان. ورغم كل ما يمكن أن يقال عنها في غياب دراسات علمية موثقة، تظل تعبيرا عن خلق الشعب فرصا لفرحه ومتعاته الخاصة والعامة. كما أن ظاهرة المهرجانات (باعتبارها تراثا حديثا ) سواء تمت حول فنون شعبية ( كَناوة ـ العيطة،،،) أو حول فنون جماهيرية ( الموسيقى ـ المسرح ـ السينما،،،) أو حول موضوعات فكرية أو أدبية أو سياسية تظل في ارتباطها بالصيف تعبيرا عن الحاجة إلى الترفيه والتواصل الاجتماعي، وتزجية الوقت.

    كثيرا ما أثارت ظاهرة بعض المهرجانات الكثير من الكلام، كما أنها أسالت الكثير من المداد، حول نوعيتها، وطبيعتها ووظيفتها والميزانيات التي تصرف فيها. لا لأحد أن يجادل في أهمية المواسم والمهرجانات الثقافية والفنية. فالإنسان، كيفما كان نوعه في حاجة إلى الاستمتاع بوقت للراحة والترفيه، والاستعداد لوقت آخر يزخر بالعمل الجاد والمضني. ولقد كان العرب القدامى يسمون هذا بـ”الإحماض” في مجالسهم الجادة، حيث كانوا يستريحون فيها بالانتقال إلى الأحاديث والأخبار الطريفة والمسلية ليعودوا بعد ذلك إلى جدهم بحيوية وهمة. ولم يكونوا متجهمين حيال الهزل والضحك، والإمتاع والمؤانسة، ما دام ذلك يجدد الطاقة ويقوي الاستعداد للعمل بروح جديدة ومعنويات متجددة.

    تعتبر “ثقافة الصيف” من خلال المواسم والمهرجانات داخلة في “النشاط” الثقافي والفني. وإذا كانت كلمة “النشاط” ومختلف مشتقاتها تعني، في استعمالنا الجاري، انتزاع لحظة من خضم الحياة العامة التي لا “نشاط” فيها من أجل التسلية والترفيه (بغينا نشطوا). وفي ابن أحمد (بالشاوية) شيخ رائع يعزف الكمنجة يسمونه الـ “نويشط”. بينما نجد كلمة “النشاط” تعني في اللغة العربية كما يقدمها لنا الخليل: ” نشِط الإنسان ينشَط نشاطا فهو نشيط، طيّب النفس للعمل ونحوه”. إن جزءا من المعنى “طيب النفس للعمل” موجود في فهمنا للنشاط لكنه محول نحو العمل الترفيهي فقط.

    لا مراء في أن الإمتاع والترفيه جزء من العمل الثقافي والفني، تماما كاللعب بالنسبة للطفل. لكن الإمتاع حين لا يتحول إلى معرفة، والترفيه حين لا يتطور إلى تربية على القيم، وإغناء للمهارات المختلفة، كما أن اللعب حين لا يصب في المجرى نفسه، يصبح كل ذلك عبارة عن “نشاطـ”ـات عابرة، تنتهي بانتهائها، دون أن تكون لها امتدادات في حياة الفرد أو الجماعة، أو تأثيرا في سلوكه ونمط عيشه. وبذلك لا تبقى من هذا النشاط غير “الذكرى” التي سرعان ما تزول مع الزمن. ولعل الخلفيات والمقاصد وطرق التنظيم وآلياته الكامنة وراء هذا التصور، وخاصة من خلال العديد من المهرجانات التي تنظم لغايات “انتخابوية” أو “سياحوية” أو “سياسوية”، تقلص من مردودية هذا “النشاط” وتجعله محدودا وعابرا، وينسى بمجرد انتهائه دون أن يكون له امتداد أو تطوير. وفي كل صيف يتكرر “النشاط” وهكذا دواليك. ولهذا السبب نجد أن بعض هذه المهرجانات لا تتطور سواء على مستوى التنظيم أو الإعداد أو المشاركة. إنها نسخ متكررة ولا أثر لها على المستوى الاجتماعي والثقافي.

    أشرنا إلى أهمية المهرجانات والمواسم، وبينا دورها في المجتمع. لكن ما يجب القيام به لتضطلع بأدوارها الحقيقية المختلفة، اجتماعيا واقتصاديا وسياحيا وحتى سياسيا، سواء نظمتها وزارة الثقافة أو إحدى الجمعيات أو البلديات أن تتأسس على قاعدة ثقافية حقيقية. ومعنى ذلك، سواء على مستوى التأطير أو الإعداد أو التنظيم أو التخطيط أن ترتكز على تصور يسهم في تطوير الفعل الثقافي المغربي، سواء اتصل بالتراث الأثيل أو الحديث، أي في ارتباطه بتطوير وإغناء الثقافة الشعبية أو الثقافة الجماهيرية. إن “النشاط” الثقافي إذا لم يتحول على مستوى التصور والممارسة إلى “فعل” ثقافي متجذر ومتطور، لن يكون سوى ترفيه وتزجية للوقت وإلهاء مؤقت للناس عن قضايا جوهرية تهم الحياة العامة.

   لا بد من تحويل تصورنا لـ”النشاط” الثقافي إلى “فعل” ثقافي عبر إعطاء  “النشاط”معناه الكامل: طيب النفس للعمل في حالتي الجد والهزل، فإذا هو في آن واحد: هزل جاد، وجد هزلي. أي يجتمع فيه الإمتاع بالمعرفة، والترفيه بتطوير المهارات. وبذلك نسلب عن النشاط بعده المؤقت والعابر، ونجعله “تقليدا” قابلا للتطور والتغير، وليس” تقليدا” متكررا ومعادا. تصرف في هذه المهرجانات والمواسم أموال طائلة، ولكن بدون مردودية عملية. وعندما نتأمل الحصيلة “المادية” لا نجد شيئا باقيا. تقدم في هذه المهرجانات أدبيات وأفكار ومعزوفات جيدة، ولكنها تتلاشى بانتهاء تلك النشاطات. لذلك نرى أن الانتقال إلى الفعل الثقافي يتم عن طريق الانطلاق من “الجدية” اللازمة في تنظيم تلك الفعاليات، وأن ذلك  يمر عبر توفير الحد الأدنى من هذه النقط :

ـ متابعة القنوات لهذه المهرجانات وحفظها باعتبارها جزءا من التراث الوطني.

ـ توثيق هذه الفعاليات نصيا وصوريا وحفظها باعتبارها جزءا من ذاكرة المدينة أو البادية، ويمكن للمكتبات البلدية أن تجعلها رهن إشارة زوارها.

– تيسير الوصول إلى حصيلة هذه المهرجانات لكل الراغبين في ذلك من الباحثين والدارسين والجمهور الواسع.

ـ طباعة أعمال الندوات وتقديم مختلف الأنشطة الصوتية والصورية في أقراص مدمجة وتوفيرها في الأكشاش والمكتبات على المستوى الوطني.

   يستدعي التوثيق والتوزيع الارتقاء بأعمال المهرجانات إلى مستوى عال من الفعل الثقافي الدائم والمستمر. أما النشاط الثقافي بالطريقة الممارسة، فيقوم على الارتجال والتكرار، وتنعدم فيه المسؤولية الثقافية. فمتى ننتقل بمهرجاناتنا ومواسمنا إلى المستوى الثقافي المطلوب؟