«

»

مال الله ، مال المسلمين، مال الشعب.

حديث الصباح/ الأربعاء 20 يونيو 2012

المال مال الله، فمالُ مَن، نأكل إذن؟

سعيد يقطين

    عندما نشأت الدولة الإسلامية اعتبر مال الغنائم والجبايات “مال الله” الذي يجب أن يصرف على عياله وهم المسلمون جميعا. كما أن الإسلام جعل للفقراء حقا معلوما في أموال الأغنياء ليسود التراحم والتآخي والتعاون بين الناس. وتزخر كتب التاريخ والأدب بالأخبار المتعلقة بالمال ووجوه صرفه في المجتمع الإسلامي على طول التاريخ. وكما كان من المسلمين من هم أحرص الناس على العدل، كان هناك من هم أشد الناس ممارسة للجور. لنقرأ هذه الأخبار التي تقدم لنا نماذج من صور التعامل مع المال العام في صدر الإسلام وبداية العصر العباسي:

   1 . كان النبي (ص) في بعض أسفاره وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي جبذة شديدة حتى أثَّرت حاشية الرداء في عنقه وقال: يا محمد مُرْ لي بشيء من مال الله الذي آتاك، فلست تأمر لي من مالك ولا من مال أبيك! فالتفت النبي (ص)، وقال: مروا له. ولم يكلمه بكلمة. وفي رواية أخرى، قال:صدقت. وقال أنس: نظرت إلى عنق النبي (ص) قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذه، فالتفت إليه رسول الله وهو يضحك، ثم أمر له بعطاء.

   ضحك الرسول(ص)، وقوله صدقت، له أكثر من دلالة. كان بإمكانه أن يقول له: إن المال ماله، والوحي وهو قانون إلهي يخول له الاستئثار به. كما أنه كان بالإمكان أن يستدعي قاضي الأمة، ويطلب منه مقاضاة هذا الأعرابي الأجلف الذي لم يكتف بالكلام الجارح، ولكنه جبذه بشدة من خناقه حتى أثر ذلك في عنقه. وكان بإمكان المسلمين أن ينسحبوا من المجلس احتجاجا على سلوك الأعرابي، وكان أن يقع ما نسمع من كلام هذا الأسبوع ومن تأويلات تصل حد العجب. فالرسول والأعرابي والمسلمون بشر مثلنا. ووقع في أزمانهم ما يمكن أن يقع في كل عصر ومصر. لكن ذلك لم يكن لأن الرسول العظيم كان رجل دولة ونزيها ومسؤولا وراعيا بما تحمله كلمة الراعي من معان عميقة، لا يعرف معناها الكثيرون ممن يتحدثون عن الراعي والرعية. لذلك شفع كلمته الهادئة بالابتسامة العريضة.

2 . لما بنى معاوية خضراء دمشق أدخلها أبا ذر، فقال له: كيف ترى ما ها هنا ؟قال: إن كنت بنيتها من مال الله عز وجل فأنت من الخائنين، وإن كنت بنيتها من مالك فأنت من المسرفين.

    يفتخر معاوية الخليفة، ابن التجارة والعائلة العريقة، بمنجزه في بناء حضاري رشيق، ويُفرِّج أبا ذر، الأعرابي ابن الصحراء، على بنائه الفخم ويسأله  استحسانه إياه؟ لكن أبا ذر الذي يفكر في فقراء المسلمين، يخيره بين أن يكون أحد اثنين: خائنا أو مسرفا، وكلاهما ظالم. معاوية المعروف بحنكته السياسية لم يطالبه بالاعتذار، ولا تَدخَّل أحد من حاشيته ليقول: إنه مدسوس من آل البيت ليشاغب على بني أمية،،، معاوية يتأمل كلام أبي ذر، وهو يرى نفسه متصرفا في مال الله على غير وجه، وأن كل قوانين الدولة تجعل المال تحت توقيع خاتمه.

3. حكي أن أبا ذر بلغه أن معاوية يقول : إن المال مال الله. فقال : ألا إن كل شيء فلله ، وأنه يريد أن يحتجبه دون الناس، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر، فقال : ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ فقال : يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله؟  قال : فلا تقله. قال: سأقول مال المسلمين.

   إخبار فحوار وحجاج واتفاق. المال مال الله، ولكنه للمسلمين جميعا وليس للحاكم وحده، وإن كان خليفة الله. فهو خليفة الله لفائدة المسلمين وليس لنفسه. إنه الراعي الذي يتعب من أجل الرعية. تنام الغنم ولا ينام الراعي؟ يجوع الراعي لتشبع الغنم. يصارع الراعي الذئاب المفترسة مع كلاب حراسته لتظل الغنم آمنة.

4 . قال المنصور لعامل بلغته عنه خيانة: يا عدو الله وعدو أمير المؤمنين، أكلت مال الله؟ قال: يا أمير المؤمنين نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمال من نأكل إذن؟ فضحك، وقال: خلوه ولا تولوه.

   عامل المنصور لا يختلف عن عمال أزمنة الفساد، يستغل القوانين لفائدته ويحول النفقات لنفسه لأنه رجل الدولة، وهو  حر التصرف في “مال الله”، ولا تعوزه البراهين، لأن ذلك يضمن له ألا يسرق أموال الناس بالتسور على سطوحهم أو السطو على جيوبهم. ورغم كون الخبر جدا فإنه يحمل هزلا، ومن الهم ما يضحك؟ وقرر المنصور عزله.

      جئت بهذه الأمثلة من التراث، وهي كثيرة لمن أراد أن يتعقبها في مظانها، تقدم لنا صورا عديدة عن علاقة الدولة بالمال العام. فالمال عندما ينظر إليه، في المنظور الاجتماعي الإسلامي، على أنه مال الله، فمعنى ذلك أنه عابر وزائل. ولذلك يجب أن يصرف فيما ينفع الناس جميعا، بعيدا عن الأنانية أو الاحتكار أو التسلط. ويقدم لنا تاريخ البشرية محاولات عديدة لتنظيم العلاقات بين الناس بصور تضمن المساواة في الواجبات والحقوق. كما نجد صورا مناقضة، يتصرف فيها الحكام بأشكال تقوم على سلب الناس أموالهم بالباطل لتعيش فئة قليلة على حساب السواد الأعظم.

    عانى الشعب المغربي من الضرائب وأنواع الجبايات التي فرضت إبان الاستعمار أو بعد الاستقلال. وظلت الدولة أبدا رمزا للاستنزاف والتجويع. زالت من القاموس السياسي والاقتصادي “مال الله”و”مال المسلمين”منذ أزمان بعيدة. وبزوالهما زال مفهوم “بيت مال المسلمين”، وحل محله في المغرب “المخزن” ثم تولدت منه “الخزينة”. وعندما نتحدث عن “الخزينة” فهي متصلة بـ”الدولة”. أي أننا انتقلنا من “مال الله” و”مال المسلمين” إلى “مال الدولة”. وباسم القوانين تأخذ الدولة المال من الشعب وتصرفه لمن تشاء من موظفيها، أي رجالها، ولمن تشاء من المؤسسات التي تدور في فلكها، ولها في ذلك مآرب وشؤون،على شكل هبات وتعويضات ومكافآت وأذونات،،، دون أن تشاع معلومات عن ذلك. أي أنها تبقى “سرا” من أسرار الدولة. ولهذا طرح السؤال: كيف تم تسريب وثائق رسمية و”محمية” قانونيا؟ والمطالبة بفتح تحقيق “عاجل”فيمن سرب هذه الوثائق؟

     مع التطور “الديموقراطي” ببلادنا صار الحديث،الآن، ممكنا عن “أموال الشعب” أو “مال دافعي الضرائب” إلى جانب “خزينة الدولة” التي يظل “المال مالها”؟ ودافعو الضرائب هم الشعب بالدرجة الأولى والأخيرة. وعندما نعلم أن ثلاثين بالمائة من الأثرياء المغاربة يودعون أموالهم في البنوك الأجنبية، وأن التهرب الضريبي يشكل أغلبية رؤوس الأموال المغربية المهربة، وأن واحدا وأربعين مليار دولار من الثروة الوطنية هُرِّب بين 1970 و2008، كما تداولت ذلك بعض وسائل الإعلام المغربية هذا الأسبوع، ندرك جيدا أن المال “مال الشعب”، وأنه هو الذي يتحمل تبعات كل التبذيروالتهريب والإفساد.

    إن فتح صفحة جديدة في تاريخ مغرب الدستور الجديد يمر عبر القطع مع تاريخ طويل من القوانين التي تعطي لفئات محدودة جدا مكاسب ومكافآت وتعويضات خيالية، خلال الخدمة وما بعدها، بذرائع تنتمي إلى العصور الوسطى، على حساب الشعب الذي يؤدي فاتورات الامتيازات التي يتمتعون بها، وأن يصبح كل أفراد الشعب مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات المالية: فالمال مال الشعب. وعلى السياسيين، وزراء العصر ومستوزري المستقبل وكل الموظفين “السامين” أن يعطوا نموذج الانتماء للوطن، بالحفاظ على أمواله، وصيانة ثرواته المختلفة من النهب والسلب. إنه بدون هذه الروح لا يمكننا تشييد المغرب المطلوب. نحن أبناء اليوم، فهل نحن في مستوى أن نكون أبناء مغرب الغد؟