«

»

حديث الصباح: “اوليدات” الشعب أم مواطنون؟

 

الأربعاء، 14 مارس 2012  ، جريدة الصباح

للمواطن كل الحق في الانتماء إلى “المجموعات” الاجتماعية التي يراها تمثل تصوره لترسيخ قيم المواطنة.

      لا يمكن للميثاق الوطني بين الحكومة والمعارضة أن يتحقق أفقيا، بدون أن يدعمه، أو أن يوازيه الوعي بضرورة وجود ميثاق آخر ذي طبيعة عمودية بين الحكومة والمعارضة والأحزاب، من جهة، والشعب، من جهة أخرى. ومن البديهي أن يبنى هذا الميثاق بدوره على ركيزة الشفافية والمصلحة الوطنية.

     ومعنى ذلك عمليا أن تتغير النظرة إلى الشعب وإلى وجوده وإلى مطالبه الخاصة والعامة.  لطالما اعتبر الشعب، في المتخيل السياسي المغربي، مجموعة من الغوغاء والعوام الذين يمكن أن يشتروا للإدلاء بأصواتهم، وأنهم ، مع الجهة الغالبة، كما  أنهم لا يشكلون سوى «الأغلبية الصامتة»، لدى مختلف الحكومات المتعاقبة. كما أن المعارضة ظلت تعتبر الشعب، في كل تاريخها النضالي، أساس أي تغيير، وأنه واع وناضج، وقادر على تحمل المسؤولية، غير أن هذين التصورين، رغم اختلافهما الظاهر، يلتقيان في التعامل معه باعتباره صوتا انتخابيا، لا يتم التوجه إليه والتخاطب «المباشر» معه إلا وقت «الحملة» الانتخابية ليملأ لهم الصناديق بالأوراق. وعندما تنتهي «الحملة»، وتبدأ الصناديق الحقيقية تمتلئ بالأوراق الحقيقية، يعود المتخيل السياسي إلى الاشتغال بالطريقة نفسها. ولقد أدى ذلك إلى غياب الثقة، وانعدام التواصل. وصار لسان الحال العام، في الواقع، لا المتخيل يقول: «قال له: شمتتك؟ فقال له: عرفتك».
        عندما خاضت منظمة العمل حملتها الانتخابية الأولى بعيد الشرعية، وكانت تؤازر الاتحاد الاشتراكي، كنا نريد تقديم خطاب مختلف ومغاير لما هو سائد. وكم كانت تواجهنا، من لدن بعض الشباب مثل هذه العبارة «راحنا عايقين بكم». كانت العبارة تستفزني، ولكني كنت أرى فيها تعبيرا صارخا عما آلت إليه الأمور. فهل تغيرت؟ إذا لم تتغير الذهنيات والتصورات لدى المجتمع السياسي ولدى الشعب أيضا، فلا يمكن للأمور، إلا أن تظل سائرة إلى نهاياتها غير المحتملة. ولكي تتغير نظرة الشعب إلى السياسة وإلى المجتمع السياسي، لا بد من تغير هذا المجتمع ولعبه دورا في تغيير نظرة الشعب إلى مجتمعه وإلى نفسه أيضا. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالتواصل والتفاعل. لقد ظل الخطاب السياسي السائد يتعامل مع الشعب بصفته «تابعا»، عليه أن «يستمع» للخطاب الذي يوجهه إلى حيث يريد، بدون أن يرى أن له إرادة أو رغبة في التعبير عن آرائه، أو أن له، بدوره، صوتا يجب أن «يسمع». وجاء الربيع العربي وتداعياته المغربية، لتعلن بشكل ما القطيعة مع كل التاريخ الحديث. وكان الدستور الجديد بمثابة ميلاد جديد للمغرب، ليضعه بذلك أمام مرحلة جديدة.
         تستدعي ضرورة بناء حقبة جديدة من التطور تغيير النظرة السائدة إلى الشعب، باعتباره «تابعا» سلبيا إلى التعامل معه بكونه «مجتمع مواطنين» لهم حقوق وعليهم واجبات. أي الانتقال، على مستوى الوعي والممارسة، من النظر إلى  «الشعب» باعتباره مجموعة من «الأفراد» يمكن جعلهم أتباعا بشتى الطرق والوسائل التي تذهب من اللغة إلى العصا، إلى اعتباره «مجتمعا» يضم «مواطنين»، وشتان بين المفهومين والتصورين.

    إن كلمة «الشعب» تظل محملة بـ»التشعب» والافتراق، ولا يوحد بين مكونات «الشعب» غير الانتماء إلى العرق الواحد. ولذلك نجد التعبير السائد، وبالتصغير، «أوليدات الشعب» دالا على ذلك، لكن لماذا لا نقول «أولاد المجتمع»؟ إن المجتمع وليد الاجتماع الذي يتأسس على التعاقدات المبنية على أسس واقعية ومصلحية تهم كل المجتمعين بغض النظر عن أعراقهم أو أنسابهم أو لغاتهم. لذلك تقابل نسبة «الأولاد» إلى «الشعب» نسبة «المواطن» إلى «المجتمع»، لذلك نجد كلمة «المجتمع» أعم من الشعب وأرقى على مستوى تطور الشعوب والأمم. يتمتع «المواطن» في المجتمع بحقوق يضمنها القانون، أو العقد الاجتماعي، أو الدستور. وكل المواطنين سواسية في المجتمع. كما أن للمواطن كل الحق في الانتماء إلى «المجموعات» الاجتماعية التي يراها تمثل تصوره لترسيخ قيم المواطنة وتمتينها داخل المجتمع. وبذلك يتشكل المجتمع من «مجتمعات» صغرى (أحزاب ـ نقابات ـ جمعيات،،، ) تتآزر وتتصارع من أجل تمثيل المواطنين الذين ينخرطون فيها بوعي اجتماعي، وليس بناء على أساس عرقي أو لغوي أو عقائدي. لقد كان من بين خصوصيات المغرب، إبان الحركة الوطنية وخلال نضاله ضد المستعمر الفرنسي أن بدأ يتشكل فيه «المجتمع السياسي» الذي كان يضم «الوطنيين» الذين قاوموا المستعمر من أجل «الوطن». أي أن النضال ضد المستعمر خاضه «وطنيون» من أجل «الوطن». وكان الشعب المغربي قاطبة رافعة هذا النضال ودعامته الأساسية، وعلينا ألا ننسى أنه، رغم ذلك، كان من بين أفراد هذا الشعب من كان يدخل في خانة «الخونة».

   غداة الاستقلال، كان من الممكن أن يتحول «الوطني» إلى «مواطن»، و”الوطن” إلى «مجتمع مواطنين»، وينخرط الشعب فيه، لكن الرياح سارت بغير ما تشتهي السفن، فوقع الاقتتال بين مكونات «المجتمع السياسي»، وبدأت الصراعات السياسية بين مختلف تلك المكونات، فكان أن بدأ «التشعب» يهيمن، وتصدع البناء الذي كان قد بدأ في التشكل، إبان مرحلة الاستعمار، فانعزل الشعب عن الانخراط في الحياة السياسية، وهمشت مشاركته إلا في ما كان يراه المجتمع السياسي ضروريا لتأثيث بيت مجتمعه، فازدادت الهوة اتساعا، وتدخلت عوامل كثيرة في صيرورة تطور المجتمع حتى بات المجتمع السياسي برمته بلا مصداقية، وصارت الحكومات بمنأى عن الشعب ومشاغله وهمومه. ألا تستدعي هذه الصيرورة إعادة النظر في تاريخنا الحديث بهدف تقديم الأجوبة عن العوامل الذاتية والموضوعية التي أدت إلى تغييب مفهوم الوطن والمواطن وبناء المجتمع الذي يكفل الحياة الكريمة لكل المواطنين؟ ألا تتطلب هذه التحولات التي طرأت منذ الاستقلال إلى الآن إعادة قراءة واقع المجتمع السياسي المغربي، في تنوعه وتعدده، والوقوف على الأسباب التي أدت إلى انحساره وعزلته؟ أليس رجوع مقولة الشعب (الذي يريد،،،) إلى التداول اليوم تحت تأثير التركة الطويلة من القمع والتهميش سوى دليل على أنه يريد أن يتحول «أولاده» إلى مواطنين في وطن؟ لكل هذه الاعتبارات نشدد على أهمية الميثاق الوطني الجديد، وندعو إلى التواصل والتفاعل.