«

»

تكريم افتراضي

 

 للمغادرين الطوعيين الأحد عشر

سعيد يقطين

1 . بعد الموافقة :

    تذكرت سفر التهزيات صبيحة هذاك اليوم ( 28 يونيو 2005 ) حين رأيت بلمليح يضحك بملء فيه وهو يحكي قصص با بوشعيب للوهابي . وكنت أعرف المرجع فتبادلنا لحظة ضحك مسروقة من أجواء التصحيح ، والحديث عن المداولات ، والتفكير في الاستدراك ، وما أدراك ما الإدراك ؟ وسألت الأخ بلمليح عن الموافقة . فقال بفرح طفولي  بأنهم وافقوا . وهل للجميع ؟ أجاب : نعم . لقد أطلقوا سراحنا  ؟ هل كانوا معتقلين ؟ والباقون ؟ هل سيطلق سراحهم ؟؟؟ …

    فجأة راودني إحساس غامض مبهم معتم . لم أدر كيف أصفه ؟ ولا كيف أستجلي حقيقته من أعماقي . ولم أفكر فيه من قبل ؟ هكذا ببساطة يغادروننا ، طائعين .

    هل ستزول أسماؤهم من على صناديق الرسائل داخل الشعبة ، ولن نتقاطع مع أي منهم كما كان يحدث عندما يأتي أي منهم خصيصا للشعبة لمعاينة ما تتضمنه صندوقته من رسائل ؟ ولاسيما بعد أن صار بعضهم لا يأتي إلى الشعبة إلا لجمع رسائله البريدية ؟

    هل هو شعور بالحزن لفراقهم ؟ أم هو إحساس بالوحدة لغيابهم ؟ هل أهنئ كل واحد لأنهم وافقوا على طلبه المغادرة ؟ أم أعزي الكلية والجامعة لأنها سمحت لهم جميعا بالخروج من بين باحاتها وقاعاتها ومدرجاتها ؟…

    اختطلت علي التهنئة بالتعزية ، وذكرني ذلك بلحظة عشتها أبكى فيها السبت الجمعة .أتذكر يا السي حساوي ؟ فأنا فرح جدا بتحقيق طلبهم ، وأنا حزين جدا  لفراقهم .

    كنا نلتقي لماما ، في السفر أحيانا ، وفي بعض اللقاءات الثقافية أحيانا أخرى. الشعبة كانت تجمعنا في أويقات نادرة جدا فقط .  لم تبق الجامعة جامعة . صارت ، مثل تونس كما سماها عمر رضي الله عنه ، المفرقة . كانت الجامعة جامعة ، والكلية كلية في الثمانينيات وما قبلها . كانت جلسات النقاش تستمر طويلا ، وتكتمل في المقهى ، وكانت جلسات مناقشة الدكتوراه تمتد من الثالثة إلى العاشرة ليلا ،،، وكان ما كان مما لا أريد تذكره ،،،

    ومع ذلك كنا نحس بأننا ننتمي إلى جسم ” جامع ” ، وكان هذا يكفي . والآن غدا الأمر مختلفا ، أن يغادر الشعبة عدد من الزملاء بلا تكريم ، وبلا كلمات شكر و لاذكريات ،  ولا وداع ، ولا ،،، فهذا أمر صعب ، وغريب جدا .

2 . تكريم افتراضي :

   أستاذي محمد مفتاح . كان المرحوم الماكري  يسميك الشيخ ، عندما كنا قريبين من معهد التنسيق والتعريب . هل سنفتقد دخلات الشيخ  الباردة ، والخاطفة ، إلى الشعبة ، مكتفيا بسلام خافت لا يكاد يبين . تدخل إلى الشعبة محاذرا أن تزعج الآخرين ، وكأنك تتصور الجميع يملك الزمن الذهب . لاتريد أن تزعج أحدا ، وحين تضحك تضحك من أعماقك. أدخلت السيميائيات إلى كلية الآداب ، وسطرت كتبا أثارت الدهشة ، وكنت عصاميا حتى النخاع . آخر النظريات في جعبتك ، تتحدث عنها باقتضاب وفرح ، ولكن لا حياة لمن تنادي . ما كتبته منذ دينامية النص إلى الآن سيعودون إليه ، وقد انتسخوه الآن ، بعد أكثر من عقدين  ، وسيجدونه معاصرا . وندوات مراكش السنوية منذ التلقي صارت مرجعا عربيا ، لكل من أراد الخوض في المسائل الجديدة المتعلقة بالأدب والعلوم الإنسانية . مجهودات كبرى حققتها في الجامعة المغربية والعربية ، ولكن لا يعرفها الطلبة الذين درستهم في دورة هذا الخريف مادة تحليل الخطاب .وهم لايريدون حتى سماعها . أعرف إصرارك وتفانيك وصمتك البليغ ، الذي آمل أن يصدر عنه في كل مرة ما يشفي الغليل ، ويفتح المغاليق .

    السي أحمد سلامك الحار ، ولقاؤك الحميمي مع كل الناس ، وخاصة مع زملائك ، يكشف عن معدن أصيل ، ونفس كريمة . لم تغيرك سنوات الرستاق فلم يزدد معدنك إلا صقلا ، فكان أكثر نقاء . لاتنس مشاريع بحثك ، وحديث الرؤية والرؤيا لايمكن أن ينتهي في الالتباس واللامعنى . فلم يبق للرؤية مجال للتجلي ، وغدت الرؤيا حلما ، آه ، بعيد المنال …

    دَّا إبراهيم ، عفوا الحاج إبراهيم : سأفتقد دخلتك مائلا حيث تجرك محفظتك إلى جهة اليمين حين تدخل الشعبة بسحنتك الهادئة وصوتك الخفيت وبسمتك الوديعة .  أين دراستك الأسلوبية ؟ وطريقتك الإحصائية ؟ منذ هذا العام لن يحمل طلبة السنة الرابعة في شعبة اللغة العربية الآلة الحاسبة ، وسيتهنى السي الزرورة من التنبيه إلى عدم استعمال الهاتف المحمول في قاعة الامتحان ، لأن لا أحد بعد الآن سيفكر في استعماله آلة للحساب . لكني أتمنى أن تجلس لتدبيج ما كنت تدرسه ، وكنت أقول لك دائما أن ما تفعله هام ، ولكنه عندنا غير هام لأن الدرس كما يتصورون ، عندما لا يكون خطابة ، فهو لاشيء. إن ما اشتغلت به لسنوات ، ستظهر قيمته في العربية في الثلاثينيات من القرن الحادي والعشرين ، هذا إذا أسرعنا . ولا تنس قصصك القصيرة  . فها أنت تغادرنا طوعا لتتعهدها ، فلقد ضمر الخيال وعز السرد ، فأتحفنا بمروياتك السادرة .

    وأنت آلحاج إدريس . عفوا المليح . أثق في ذكائك وعفويتك وسجالاتك . وهذا مجنون الماء بين نوافذي . وتلك الترجمة الرائعة لشعرية أستاذنا الجليل ، وتلك الدراسة ، وذلك المشروع بين أدراج مكتبتي . سافرنا ، وضحكنا ، وكنت رائعا في السفر والضحك ، والبحث العلمي الرصين ، والترجمة الدقيقة . لتكثر مجانينك في الشعر ، والترجمة وفي مشاريع البحث .وفي المشروع العمر ،  ولا تنس الزيارة ، ولا تجعلها بعيدة جدا ، والنفث انفثه ، فالانفثات التياث .

    السي محمد يملأ الشعبة بحضوره الدائم واليومي  كل صباح، هو الاستثناء  .من سلا إلى الإمبراطورية إلى الشعبة . عالم من النقد ونقد النقد والإبستيمولجيا  . يبدو لك حاملا هم بحر الظلمات كي لايرحل . في كنانتك آلسي محمد أقاصيص وحكايات ، وفي أدراج خزانتك أوراق نقدية عديدة . هل ستأخذك طنجة ؟ أو تلهيك سلا ؟ في قهوتك الصباحية الدائمة ، اكتب ، واكتب . سيأتي يوم يقرأ فيه المغاربة ، وسيعرفون أن الجيل الذي سبق عانى وكابد ، وتألم وتعذب ، ولكنه أبقى أثرا .

    أهلا السي العمري . ماالفرق بين فاس والرباط ؟ أنت هو أنت . حاد مع نفسك جاد في عملك . طبع صحراوي أصيل لاتستسيغه حضارة مضع الكلام وصبغ الحواجب . متوج على إمبراطورية البلاغة ، وقد جعلتها لها . واصل حفرياتك في النص وطرق فهمه وإبلاغه . صار الحديث عن ” التواصل ” وكأنه مفتاح كل مشاكل الجامعة ، حين لم يبق للتواصل وجود بين أي طرف ، ولم يغد له في أي حديث أي هدف . لا تنس درعة ، فأشواقك إليها تبدأ الآن ، وأحرى ألا تنتهي .

    حين عرفتك يا أنور ، كان ظهر المهراز معلمة . كنا في ابن كيران ، وكان ما يقع عندكم ، يصل صهده إلينا . كان الوعي والاهتمام المشترك بكل الشؤون هو القاسم العام ، وإن اختلفت الرؤيات والاتجاهات . كانت جولاتك في النقاش متواترة ، وتدخلاتك في المدرج العلوي في كل المحاضرات هي الأولى والمدشنة. ثم صار الزمان غير الزمان . أستلهيك السياسة ؟ أم تأخذك الثقافة ؟ ناران بينهما تتقد ، وفيهما معا لك نصيب ، فاختر ولات حين فوات ، ولظهر المهراس عليك دين ، فلا تنس الجلوس إليه لإعادة تشكيل فضائه السبعيني يوم كان الأدب والسياسة صنوين ، ومن ذياك الفضاء ازدان المغرب بما هو مزدان .

    جعلت اهتمامك أرضا أضاعوها ، وجعلت همك استرجاع النص ، فزاوجت بين المعري والكلاعي ، ومتنت الجسر الرفيع بين الشرق والغرب بنصوص رائعة ، فكنت جادة في التنقيب ، ذكية في التناول ، طيبة المعشر . لتدم البسمة ، والصحة رأسمال . لكن النص المسترجع من ذاكرة الزمان حياة ، لا شك أن ثمة مخطوطات نتمنى لها النور ، في زمان ينشرون فيه الظلام .

    كان كل حلمك أن يكون للدراسات الشرقية موئل ، وأن تكون بوابة لما هو آت من منظور البحث والعلم . لكن السياسة كالحب تعمي وتصم . وها أنت تغادر ، ولما ينتقل الحلم . أشياء كثيرة نضيعها لأننا نختلف في تقدير خصائصها . إن السياسة عندنا ، وهي سياسية أسياسية ( على وزن أعرابية ) يقول لسان حالها على خلاف العرب القدامى : لنترك جله ، مادمنا لاندرك كله . لكن مقالاتك المشاغبة والصادقة ستظل عربون وفاء وانتماء ، واصلها ، فإنها ماء في تربة ، وعسى أن تنبت بذرة .

    لمن تترك ابن جني ، وهذه الأجيال لا تعرفه ؟  فمن سيعرف لها الإسم ، لتبحث في المسمى ، وقد صارت اللغة لغات ؟ تغيرت الأشياء والوسائط ، واستحالت القيم ، وتبدل كل شيء . سلم لي على جان كليمون إذا زرت كَرونوبل فهو جنيت النص المترابط في زمان قادم . أبطأ الزمان ولكنه قادم ، مرحى ، مرحى .

    أيها الزملاء جميعا ، هنا في الرباط ، وفي فاس ومراكش والبيضاء وأكادير ووجدة والجديدة والقنيطرة ، ثبتتم أقدام شعب اللغة العربية والدرس الأدبي الرصين ، وصار المغرب منارة في العالم العربي . بمجهوداتكم تأسست قيم ، وسادت تقاليد . ها أنتم تغادرون ، وقد تغير كل شيء ، والجامعة لا تعرف أين تمضي ، كثرت العلامات ، ولا سيميائيات . لست أدري هل أهنئكم ؟ أم أعزي الجامعة فيكم ؟ أنا لا أخفي حيرتي ، وكل أملي ألا تطول حيرتنا …

أضف تعليقاً

Your email address will not be published.