«

»

عن الفن والأدب والحرية

حديث الصباح/ جريدة الصباح، 6 يونيو 2012

لماذا لم تتشكل عندنا نخبة فنية وثقافية؟

سعيد يقطين

    تعالت أصوات عديدة عقب فوز الإسلاميين في الانتخابات في المغرب وتونس ومصر مطالبة بحرية الفن والإبداع. لا شك أن مبررات هذه الصيحات جاءت رد فعل على وصول الإسلاميين إلى السلطة من جهة. كما أنها جاءت لمحاصرة ومقاومة ما يمكن أن يقدم عليه هؤلاء من تحريم لبعض أنواع الفنون، أو من تدخل في شؤون الحياة والفن والإبداع، من جهة أخرى. بعض هذه الصيحات له ما يبرره لأننا نجد فعلا مواقف لبعض المتطرفين الإسلاميين تدعو إلى القطع مع العصر وتبني تصورات ما أنزل الله بها من سلطان، لأنها في تشددها وصرامتها تنأى بمسافات عديدة عن اليسر الإسلامي الذي يقضي بتفاعل الإنسان مع عصره، الذي يختلف بالضرورة عن أي عصر سابق له، بالصورة التي تضمن له أن يكون كريما وعزيزا وقويا.

   لكن تلك الصيحات، وأن اتخذت طابع الدفاع عن الفن والأدب والإبداع في الظاهر، فهي في واقع الامر موقف من الإسلام، من جهة، ومن التطرف الديني من جهة ثانية ومن المنتخبين من جهة ثالثة. وفي هذا خلط أرى من الضرورة تجاوزه، على مستوى الوعي والممارسة معا، إذا أردنا فعلا بناء علاقات جديدة بين مختلف مكونات المجتمع، ولا سيما بين الفاعلين والناشطين فيه، مهما كانت مواقفهم من الإسلام والفن والإبداع.

    إن الأطروحة المركزية التي أنطلق منها في كل كتاباتي المتصلة بالربيع العربي تكمن في ضرورة تجاوز الذهنية السياسية والأيديولوجية الصماء التي هيمنت ردحا طويلا من الدهر سواء لدى التقليديين بمختلف ألوانهم والحداثيين بمختلف أطيافهم. وسواء كانوا في أقصى اليسار أو اقصى اليمين، أو بين الطرفين المتقاطبين. تتمثل هذه الذهنية في اصطناع المواقف الجاهزة والتصورات المسبقة في خوض الصراع، وتبني أي تصور كيفما كان نوعه، مادام يفضي، ولو على سبيل التوهم، إلى إضعاف الخصم، وإرغامه على التراجع أو الركوع، ومهما كانت الصيغ الموظفة في ذلك. يبدو لي أن هذه الذهنية السياسية وليدة حقب طويلة من القهر والقمع السياسيين للحكومات المتعاقبة، وفي مختلف البلاد العربية. لقد مارس الحاكم العربي سياسة الإرغام والإكراه بمختلف الوسائل وعلى رأسها النفاق والكذب السياسيان وتهويل الخصم والعمل على تحجيمه بافتعال الأباطيل أو القضاء عليه بالقمع والغلظة. وكل الحركات المعارضة التي تشكلت في أحضان هذه الأنظمة تبنت السياسة نفسها، وإن اختلفت لغاتها، وتباينت ممارستها، ليس فقط ضد النظام الذي تعارضه، ولكن أيضاً ضد خصومها أو معارضيها الذاتيين.

     لقد جاء الربيع العربي، في تصوري، ليقطع مع كل تركات الذهنية السياسية السائدة، من خلال الشعار المركزي: سقوط الفساد. وتلك الذهنية سادت كل المؤسسات والجمعيات رسمية أو شعبية، يمينية أو يسارية. بل امتد الفساد ليشمل كل العلاقات بين مختلف الأطراف المكونة للمجتمع من الدولة إلى الأسرة. فساد ( مضارعه يسود) الفساد، فانفسد كل شيء وتفاسد لأن التسافد زرع بذراته في البشر والشجر والحجر. فانتشرت المحسوبية والرشوة والانتهازية والنفاق السياسي والاجتماعي والثقافي،،، وامتد ذلك إلى العائلة والأسرة فانهارت العلاقات الودية بين الناس  وصارت المصلحة والذاتية والأنانية سلوك الأفراد والجماعات. جاء الربيع العربي ليقول :” لا لحياتنا، في مختلف مظاهرها وتجلياتها، ماظهر منها وما بطن، أي  حياة الذبانة في البطانة.”

        كان الأحرى أن ينخرط الجميع في مناهضة هذا الفساد الذي ضجر منه حتى عتاة المفسدين، وكل المسؤولين عنه بصورة أو أخرى. ولعل من أولى أوليات هذا الانخراط، وخاصة لدى المثقفين ورجال السياسة والإعلام لأنهم من يبلور الأفكار وينشر الأخبار ويخاطب الضمائر ويخطط المصائر، تغيير الرؤية والممارسة، وانتهاج سياسة جديدة في التعاطي مع واقع التحولات بعيدا عن الذهنية التي قامت على اختلاق الأباطيل  ونشر الأضاليل. ولعل ثانية أوليات هذا الانخراط تتمثل في العمل على ترسيخ قيم وأخلاقيات جديدة في الحوار وممارسة الاختلاف بهدف تجذير تصورات جديدة تقوم على الشفافية والإقناع والمشاركة القائمة على التفاعل الإيجابي بين مختلف مكونات المجتمع، ويكون قوامها العمل على إصلاح ما أفسده الدهر الذي تسلط فيه المفسدون. لهذه الاعتبارات كتبنا مرارا مطالبين بفتح الحوار الجاد والصريح حول مختلف قضايا مجتمعنا بمنأى عن الذهنية السياسوية التي لا تروم إلا خدمة مصلحة ضيقة جداً والترويج لها بكل الشعارات والتصورات التي هي ببساطة وليدة ميراث طويل من الفساد.

     من بين القضايا التي يمكن فتح باب الحوار بصددها، من منظور لا يتصل بالتجاذب السلبي ، قضية الفن والإبداع والأدب في علاقتها بالحرية والمجتمع. لقد حوكمت ألف ليلة وليلة ومنعت أولاد حارتنا من التداول في مصر قبل الربيع العربي… كما أن كتبا مثل الخبز الحافي وموسم الهجرة إلى الشمال وكان وأخواتها صودرت في المغرب… إن منطق المانع يستند الى إيديولوجية تقوم على القمع. كما أن منطوق الممنوع يرتهن الى إيديولوجية تنهض على أساس الحرية. وبين قمع المانع وحرية الممنوع ينفتح باب الإيديولوجيا القائمة على الذهنية التي أشرنا إليها. لكن الغائب الأكبر في هذه المعادلة هو : الفن والأدب والفكر من جهة، وهو المجتمع من جهة ثانية . ذلك لأن منطق المانع ومنطق الممنوع معا ( بغض النظر عن فحواهما) يمارسان الوصاية على الفن والإبداع معا، وعلى المجتمع أيضاً باسم هذه الأيديولوجيا أو تلك.

   فما هي علاقة الإبداع بالحرية؟ وهل هناك ضوابط لها؟ أم أن على الفنان، كيفما كان مزاجه أن يتصرف وفق هواه ونزواته، باسم الفن الذي ينبغي أن تكون الحرية فيه مطلقة؟ وهل بإمكان أي كان أن يفتي في أي موضوع باسم الدين أو العرق أو اللغة محللا ومحرما ما يراه حسب المزاج السياسي، وإن تذرع بمرجعية دينية أو “حداثية”؟ هل الإبداع الروائي أو السينمائي الذي يستسلم للإثارة الجنسية أو السياسية ينطلق في ذلك من قيم فنية وفكرية أم من باب جذب الانتباه، والدفاع عن قيم معارضة للمجتمع؟ أسئلة كثيرة يفرضها الواقع الإبداعي في علاقته بالقيم والحرية. لكن معالجة هذه القضايا ينخرط فيها السياسي والفقيه في غياب أهل الاختصاص: علماء الفن والأدب والتربية. إن المشتغلين بالفن والأدب عندنا ظلوا لأمد بعيد رهيني التصورات السياسية التي تحدثنا عنها، فلم تكن تخلو مواقفهم من ذلك التجاذب السلبي. ولهذا لم نراكم تصورات ثقافية عامة تمثل مرجعية مشتركة وإن اختلفنا بصددها، ولكنها تظل مجالا مقبولا للحوار والإغناء. فسادت المواقف الجاهزة والتصورات المسبقة.

    إن السبب في رأيي يعود إلى غياب تقاليد ثقافية في مجتمعنا، تسمح بتشكيل نخبة أدبية وثقافية تسهم في بلورة رؤية دقيقة للفن والإبداع وتعمل على ترسيخ قيم الفن والجمال بمنأى عن الأهواء والنزوات الفكرية التي لا علاقة لها بالفن وإن ادعت ذلك، وتسعى لجعل الأدب والفن ممارسة للحياة وسموا بالأفراد والجماعات إلى تمثل القيم الفنية والجمالية الراقية. ولعل عدم اضطلاع الوسائط الجماهيرية ( الإعلام بمختلف أنواعه) من أسباب هذا الغياب. إن تهميش الثقافة والإبداع في إعلامنا المكتوب والمسموع والمرئي وفي مؤسساتنا التربوية ساهم في تعطيل الثقافة الفنية والأدبية في مجتمعنا فلم يتطور إبداعنا، ولم تتكون لدينا تقاليد ثقافية عريقة، ولم تتشكل نخبة أدبية وثقافية تضطلع بالارتقاء بالإبداع المغربي إلى مستوى أفضل.

   لا يمكن تصور تطور المجتمع بدون تطوير الإبداع والفن بعيدا عن السجال السياسي العقيم. ألم يحن الوقت بعد للقطع مع فساد الذوق والرداءة والقبح في كل شيء، والحديث عن الرقي الفني والجمالي؟ إنها مسؤولية الفنانين والأدباء والمثقفين قبل كل شيء. بل ومسؤولية كل مكونات المجتمع؟