«

»

بصدد الهوية الوطنية والكرامة المغربية

حديث الصباح/ جريدة الصباح، 23 ماي 2012

التصورات السائدة للهوية بالمغرب لا تزال محملة بميراث القبلية وما قبل الوطنية

سعيد يقطين

    في فجر الاستقلال صارت الدار البيضاء وجهة يقصدها المغاربة من كل الجهات بحثا عن موارد الرزق. وصارت بذلك تجمعا كبيرا للمهاجرين. ينزل بها أحدهم ضيفا على قريب له ريثما يستقر، ثم يلتحق به من “البلاد” آخرون، وهكذا صارت ملتقى للمغاربة من كل الأنحاء. في الستينيات كان ساكنة الدار البيضاء يتطارحون بينهم هذا السؤال للتواصل والتعارف: “منين أنت في لخوت؟”. فكان الجواب بالانتساب إلى القبيلة التي جيء منها إذا كانت مشهورة أو قريبة من الدار البيضاء: أولاد زيان، أولاد حريز، مزاب، دكالة، عبدة،،، أو إلى مدينة معروفة لقربها من القبيلة: تارودانت، تطوان، خنيفرة، بني ملال،،، ولهذا السبب كانت الهويات تتحدد من خلال هذا الانتماء: البيضاوي، الحريزي، العبدي، الروداني، الحاحي، التطواني،،، وحتى الفنانون الشعبيون كانوا يتميزون به: بوشعيب البيضاوي، حميد العبدي، بوشعيب الدكالي،،، ونجد الشيء نفسه بصدد المقاومين والمثقفين والفقهاء. بل إن مجموعة من شعراء الستينيات( رواد القلم 67) ميزوا أسماءهم بقبائلهم: محمد عنيبة الحمري، الصغير السروت المسكيني، إدريس الملياني، أحمد هناوي الشياظمي.

   أما في الأحياء الشعبية: كريان ولد امسيك، سنطرة، باشكو،،، حيث كانت الهجرات على أشدها، فكنت تسمع ليس فقط أسماء القبائل الكبرى، بل كانت النسبة إلى الدواوير والقرى والفخذات،،، خليط عجيب من الانتماءات صهرته الدار البيضاء، فاستحقت لقب “باريس المغرب”. فكان التراشق والتنابز بالألقاب والتمايز القبلي موضوع السخرية والنكات والضحك: العروبي الخماكَي، والشلح القرُفِّي، والصحراوي المغندف،،، وحتى داخل “العروبية” كان التمايز بين: الدكالي والعبدي، والمزابي والحريزي و”اللي عشرة في عقيل”. وبين الشلوح كان بين السوسي والأمازيغي والريفي. وداخلهم أيضا كان بين القبائل المتجاورة والمتطاحنة،،، ونفسه التمايز الذي كان بين أهل المدن العتيقة :الرباطي والسلاوي. وحتى بدايات السبعينيات ظلت الأغنية : “أنا رباطي وأنت سلاوي” تذاع على أمواج الإذاعة الوطنية.

    لكن اتساع الهجرات والاستقرار في المدينة، وقطع الصلات مع البادية ( لعروبيا/ البلاد/ الجبل) وامتداد الزمن أدى إلى تولُّد الانتماء إلى “المدينة” التي يعيش فيها الشخص أو التي ولد فيها، وصار بعد ذلك الانتماء إلى “الحي”. لكن الانتماء الوطني ظل فوق كل الانتماءات الأخرى.

   نتبين من خلال هذه الأمثلة أن الهوية هويات، وأنها تتغير مع الزمان. فالمغاربة من سوس أو الشاوية أو الريف الذين هاجروا إلى فرنسا أو هولندا أو ألمانيا في الستينيات واستقروا هناك حاملين الجنسية الجديدة، صار أبناؤهم أو أحفادهم يتكلمون اللغة الفرنسية أوالنيرلدنية أو الألمانية، ولا يعرفون العربية أو تشلحيت أو الريفية…

   تتحدد الهوية في نطاق تميزها عن هوية أخرى بناء على توفرها على مقومات خاصة في المكان. وبذلك يمكننا الحديث عن الأنا (الذات) في مقابل أنت ( الذات الأخرى). وبما أن “الأنا” غير مطلقة في الزمان أو المكان، لأنها ذات متغيرة، فهي في الوقت نفسه “ذات أخرى”. وهذا معنى لطيف يؤكد إمكان تفاعل الإنسان مع الإنسان وتواصله معه رغم تعدد الأصول والجذور واختلافها. ولذلك قال العرب القدامى: رب أخ لم تلده لك أمك؟

   لكن الواقع، وبما يحمله من مقومات ثقافية، يعطي للهوية معاني خاصة، هي بدورها متغيرة بحسب السياق الذي توظف فيه. فأنا “الأستاذ” غير أنا “سائق السيارة” أو “الزبون” في المقهى. فكل ذات من هذه الهويات تتحدد بناء على مقتضيات خاصة تحكمها في علاقتها بـ”الآخر”: التلميذ/ المؤسسة، أو السائق الآخر ومدونة السير والطريق،،، فعندما يمسكني شرطي المرور مخالفا قانون السير، لا يمكنني أن أقول له “أنا فلان الفلاني”، أو “شكون أنت؟ وآش باغي تكون؟ واللي ما عندو سيدو، عندو لالاه،،،”. هذه استغلالات غير حضارية ولا وطنية لـ” الهوية”.

   إن التصورات السائدة للهوية في المغرب لا تزال محملة بميراث القبلية وما قبل الوطنية، وإن اتخذت صورا جديدة تتصل بأنواع الوجاهات والمواقع الجديدة التي صار يحتلها بعض أفراد المجتمع في مواقع متعددة. فالإعلامي والأستاذ والمحامي والشرطي والطبيب والفنان،،، يتضامن معه زملاؤه في النقابة والجمعية لكونه ينتمي إلى “مؤسسة” ما، بغض النظر عن “الجريرة” التي اقترفها. أليست المؤسسة هنا “عصبية” جديدة؟

   تذهب الهوية، إذن مما هو خاص جدا (الأسرة=البنوة) إلى ما هو عام جدا(الأمة =الحضارة)، مرورا بالوطن والجنسية وبالهويات الشخصية العابرة المؤطرة في المكان الذي توجد فيه الذات. وبذلك يمكننا الحديث عن مراقٍ للهوية تتحدد أهميتها بحسب السياق العام الذي تحقق فيها كينونتها. فالمغربي الذي كان يذهب إلى الحج قديما، كان ينظر إليه ويتعامل معه على أنه مغربي، بغض النظر عن أصوله القبلية، أو جذوره العرقية.فـ”مغربيته” هي التي تميزه عن الأندلسي أو العراقي. وهؤلاء جميعا يتميزون بانتمائهم الثقافي والحضاري عن المسيحي أو البوذي.هذا على المستوى الخارجي. أما داخليا، فيمكن للعبدي أن يكون مختلفا عن الدكالي. إذ لكل قبيلة تاريخها وأعلامها ولغتها وثقافتها الخاصة بها. قد تتصارع القبيلتان حينا وتتصالحان أحيانا. لكن عندما يتعرض المغرب للهجوم البرتغالي فإنهما تنسيان صراعهما وتتوحدان لمواجهة الذات الأخرى المتميزة عنهما. ومع الصيرورة التاريخية تسهم العوامل الداخلية والخارجية في جعل الهوية العامة أهم من الهويات الخاصة: الانتقال من القبيلة إلى الدولة ومن الشعب إلى الوطن. وبذلك تغدو الهوية الوطنية أساس كينونة الذات في حملها لتلك الهوية وركيزة كرامتها.

   إنني حين أسافر إلى أي قطر عربي لا ينظر إلي إلا على أساس أني مغربي. وتبعا لذلك فإني أرى أنني أمثل المغرب في سلوكي وحضوري الثقافي. وحين أسمع أقوالا عن بعض من يسيء للسمعة المغربية لا يمكن إلا أن يستفز ذلك شعوري الوطني. لذلك لا يمكنني سوى الاعتزاز بهويتي الوطنية. لكني حين أحرم من تأشيرة دخول فرنسا لمناقشة أطروحة جامعية بسبب التعقيدات الإدارية، وأطلع على شروط التأشيرة، لأي كان؟ أعتبر ذلك مسا بالكرامة المغربية وإهانة لهويتي. ويتكون لدي الإحساس نفسه حين يختارني الجمركي الليوني من بين عدد من المسافرين لتفتيش حقيبتي؟

   يعاني المغربي من مس كرامته في ديار الهجرة، وإن كان يحمل الجنسية الأجنبية. ورغم كل ما يقولونه عن “حقوق الإنسان” و”حقوق الهويات واللغات والثقافات،،،” تظل الهوية الوطنية الخاصة والأوربية العامة هي أساس التعامل مع من ينتمي إلى أية هوية أخرى. هذه الهوية التي تصله بوطن أو أمة آخرين. يعيش كتاب مغاربة في هولندا، على سبيل المثال، وصار لبعضهم وزن ثقافي متميز، مثل عبد القادر بنعلي ومصطفى ستيتو وحفيظ بوعزة خالد بوضو ونعيمة البزاز ورشيد نوفير ومحمد بنزاكور. ولكن يظل ينظر إليهم من خلال سحناتهم المغربية على أنهم من طينة أخرى، وأنهم سيظلون أبدا أجانب.

   إن طرح قضية الهوية الوطنية يستدعي ربطها بالكرامة المغربية. وتبعا لذلك يصبح أي مغربي، في الوطن أو المهجر، وبغض النظر عن “شكون هو؟” يحس فعلا بأنه “مواطن” لا يصادر عليه أي أحد “مغربيته” باسم ” سيدو” أو”للاه”، أو أنه “سيوريه شكون هو” أو أي صيغة أخرى يشتم منها التمايز غير الوطني. كما أن على خارجيتنا أن تقوي حضورها الوطني في حمولته الثقافية تدعيما للهوية والكرامة، ودفاعا عن المغاربة وانتمائهم الحضاري.