«

»

الهوية الوطنية والكرامة المغربية

“منين أنا؟ ومنين أنت؟ آهيا وين…”

جريدة الصباح، حديث الصباح /16 ماي  2012

      صارت الهوية، الآن، قضية جوهرية في المغرب، ولكنها لم تكن قط قضية أو مشكلة في كل تاريخ المغرب. صارت الهوية قضية منذ أن تم توظيفها من لدن السياسة الخارجية الأمريكية لفرض هيمنتها على الدول التي تريدها خاضعة لنفوذها، وهي تُلوِّح بها محمَّلة باسم “حقوق الإنسان” تارة، ومجمَّلة بالحفاظ على الأقليات اللغوية والثقافية، طورا. وليس هذا في واقع الأمر سوى إبدال جديد لمقولة “حق الشعوب في تقرير مصيرها” التي كانت ترفعها المنظومة الاشتراكية لسحب مناطق من دائرة نفوذ الدول الرأسمالية والدول التابعة لها بهدف تعزيز المنظومة الاشتراكية عبر إلحاقها بها. لقد استبدل “حق الشعوب” بـ”حق الأقليات” باعتبارهما ورقتين لإدارة الصراع على المستوى الخارجي بالنسبة إلى الدول أو الأنظمة التي تسعى إلى توسيع محيط عوالمها بالكيفية التي تخدم مصالحها. إنه “الحق” الذي يراد به الباطل؟

   تتعامل الدول التي تخضع لهذه الإكراهات الخارجية بحسب موقعها من الصراع العالمي، وبحسب إمكاناتها الذاتية في التصدي أو الخضوع للمطالب الخارجية. وتكون لذلك انعكاساته على السياسات الداخلية. وحتى الحركات الاجتماعية المختلفة تتعامل بدورها مع تلك الإكراهات بحسب مطامحها السياسية أو الانتخابية. ويكون الخاسر الأكبر في كل هذه المواقف هو “القضية” المختلف بصددها، حيث تصبح من “المقدسات” أو “المدنسات” في غياب نقاش حقيقي وموضوعي تخوض فيه نخبة المجتمع ومثقفوه حوارا حرا يتداولها بمنأى عن الإكراهات المختلفة، ولا سيما حين تنعدم النخبة أو المثقفون الجديرون بهذه الصفة، لأنهم منخرطون في الصراع اليومي بدون أي تصور واضح أو استراتيجية ملموسة. أما نتيجة هذا الوضع، فتبرز في أن “المقاربة الأمنية” تصبح  لدى الدولة هي الأساس فتكون “المراوغة” ديدنها، فتتنازل مرة، وتهاجم أخرى، تبعا لموازين الضغوطات الخارجية. أما الجمعيات الناشطة فتتبع سياسة “الضغط الممنهج” بالتباكي أو التهديد أو برفع التشكي إلى الدوائر الخارجية، أمريكية أو حتى إسرائيلية؟ بهدف مضاعفة الضغط وتحقيق المزيد من المكاسب.

    مقولات كثيرة تفرض علينا من الخارج ولا نتحاور بصددها. نتعامل معها باعتبارها “حقائق” مطلقة، وما علينا سوى التموقف منها حسب مصالحنا المختلفة والمتناقضة. ما هي الأدبيات التي راكمتها مؤسساتنا العلمية وأحزابنا السياسية وجمعياتنا الثقافية المغربية حول حقوق الإنسان والهوية والحداثة والمرأة والطفولة والإعلام والقضاء والتعليم واللغة؟؟؟ وتظهر فيها “خصوصيتنا” المغربية، وصارت جزءا من “ثقافتنا” المغربية في أصالتها وانفتاحها على العالم، والتي بمقتضاها نجيب عن السؤال الهوياتي الأكبر: “باش احنا مغاربة”؟ ولنا موقع “وجودي” متميز في العالم؟

  لا أغامر إذا أجبت عن هذه الأسئلة مجتمعة بالقول إن كل ما نطالعه، رغم بعض التفاوتات البسيطة، رجع صدى للمشاكل السياسية وما تفرضه من إكراهات حسب تلون الحقب السياسية. ولكن ليست عندنا “خلفية” ثقافية مشتركة ننطلق منها في تدبير اختلافاتنا وخلافاتنا. وهذا هو العنصر الجوهري المفقود في واقعنا. إن الفرنسيين ينطلقون مما يسمونه بـ”الجمهورية” في تفكيرهم ومواقفهم سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، أيا كانت اختلافاتهم. كما أن ما يجمع الإسرائيليين على اختلافهم هو “الدولة العبرية”. ونجد لدى المصريين “أم الدنيا” خلفية مشتركة. حاول بعض المثقفين أمثال علال الفاسي وعبد الله إبراهيم وعمر بنجلون والعروي والجابري ومحمد مفتاح وسواهم صياغة رؤية ثقافية جامعة للمغرب والمغاربة، لكنها لم تجد من يطورها لدى السياسيين الذين ينتمون إلى الأحزاب التي أسسها بعض أولئك المثقفين أو لدى المثقفين الذين ينشغلون بقضايا عرَضية لا جوهرية.

   إن غياب هذه الرؤية الثقافية المغربية على مستوى الوعي السياسي، لأنه لا يستند إلى أي خلفية ثقافية مغربية حقيقية، جعل المواقف السياسية لدى الدولة تقوم أساسا على المقاربة الأمنية السياسية وعند الأحزاب والجمعيات الناشطة على الضغط السياسي. أليست هذه هي سياسة “الكر والفر”؟ ماذا ينتظر من الشعب المغربي الذي يستند إلى “حس ثقافي تاريخي عفوي” بإزاء هذه الحرب وهي تبنى على أساس العلاقات المصحلية الخاصة؟ الجواب هو الانعزال وعدم الانخراط في اللعبة السياسية، وعدم الانحياز إلى الأحزاب أو إلى تلك الجمعيات. ورغم انتقاده للدولة وسياساتها وللفساد المتفشي والذي صار قادرا على التعبير عنه بصور متعددة، فإنه يظل يرى فيها الممثل الشرعي لتلك الخلفية الثقافية المشتركة والتي تشكلت على مر التاريخ المغربي.

    الهوية الثقافية المغربية ليست موضع سؤال لدى الشعب المغربي.هذه حقيقة تاريخية وليست ورقة ضغط خارجية. لقد تشكل المغرب من خلال التواصل بين مختلف مكوناته، عبر التاريخ، ومهما كانت أصولها البعيدة: أمازيغ، يهود، عرب، أفارقة، أندلسيون، مهاجرون من مختلف بقاع العالم القديم، ولن نذكر الرومان ضمن هذه المكونات؟ تمازجت الدماء واختلطت الأنساب، وتداخلت اللغات، وتشكلت مقومات ثقافية مشتركة وهي تعبر عن انصهار ثقافي متين. لم يطرح قط في المغرب، وإلى الآن، أن امتنع أمازيغي من تزويج ابنته أو ولده من عربي أو إفريقي الأصول، والعكس صحيح. أما الحالات الخاصة فلا يقاس عليها، فقد يمتنع العم من تزويج ابنه من ابنة أخيه؟ ويمكن قول الشيء نفسه عن استغلال المجال. لقد تم انتقال القبائل من مواطنها لأسباب كثيرة (بيئية ـ اجتماعية ـ سياسية،،،) إلى مواطن أخرى. وكان أن تطبعت القبائل بما يجاورها، وتم تبادل اللغات والثقافات، فصارت علامات جامعة للجميع بدون تمييز. أما الاختلافات اللغوية (عربية أو أمازيغية) ، فنجدها حتى بين قبيلتين متجاورتين. ولهذه الأسباب نجد اللاشعور الثقافي مشتركا، وهو يتجلى بصورة كبيرة جدا في الثقافة (العالمة والشعبية) المغربية معا. فهي واحدة في تنوعها وتعددها.

    هذه العوامل جعلت المجال الثقافي المغربي مختلفا عن العديد من المجتمعات التي يمكن أن نتحدث فيها عن الطائفية والأقلية، والمذهبية،،،حيث نجد الحدود فاصلة بين المكونات المختلفة: فكل واحد له لغته وثقافته وأسراره التي لا يعرفها الآخرون. في المغرب لم تعرف الدول والزوايا والطرق الدينية ومختلف المؤسسات السياسية  والاجتماعية تمايزا حسب الأصول العرقية، فتجد زعيم زاوية مثلا أمازيغيا أو عربيا وأتباعه عرب وأمازيغ، بلا فرق،،، وقس على ذلك.

   هناك هوية وطنية مغربية مشتركة، هي التي تجعلنا جميعا مغاربة، وهي متعالية علينا جميعا، وعلينا أن نعمل مجتمعين من أجل تحقيقها تحت عنوان “الكرامة المغربية”. أما الهويات الخاصة والمختلفة فهي متعددة، وعلينا الدفاع عنها باسم الكرامة المغربية نفسها، وبدون نرجسية أو عصبية أو إلغاء أو أوهام. وعندما يدافع الناشط الأمازيغي عن اللغة العربية التي يستغلها للدفاع عن أطروحاته بدون أي عقدة أو تكلف، ويعمل على تطويرها، وعندما يدافع الذي يحمي اللغة العربية عن الأمازيغية، لغة وثقافة، ويعمل على تطويرها بدون تكلف أو عقدة، نكون نعمل جميعا من أجل المغرب التي يتسع لكل المغاربة، في الداخل والمهجر. وبذلك أخيرا سيكون موضوع “الهوية” موضوعا “مغربيا” بامتياز، وليس توظيفا خارجيا لهدر الكرامة المغربية واستنزافا لخيرات المغاربة. وآخرا، سيقول لسان حال كل منا، وهو يجيب عن سؤال: من أنت؟

” أنا من حوز المغرب،،، آ لخاوا ما قلت عيب،،، “