«

»

١٩١٢/٢٠١٢: بصدد الذاتية المغربية

بعض التمايزات التي خلفها الاستعمار لا تزال ماثلة إلى الآن.

حديث الصباح/ جريدة الصباح 11 أبريل 2012

   في ٣٠ مارس ٢٠١٢ حلت الذكرى المائوية لاحتلال مغرب من لدن الاستعمار الفرنسي والإسباني. وفي الشهر نفسه سيكون قد مر على استقلال المغرب نصف قرن وست سنوات. هذان الحدثان مهمان في تاريخ المغرب الحديث. فإذا كان الاول قد عمل على إدخال المغرب إلى العصر قسرا، فإن الثاني وضع المغرب أمام خيارات بناء ذاته وتشييد مستقبله.

   استوقفت مناسبة الخمسين سنة على الاستقلال المغاربة ودفعت في اتجاه البحث عن الحصيلة، وانتهى كل شيء بانتهائها. وكانت مناسبة المئة سنة ضرورة لإعادة التوقف أمام الحدثين معا بتصور مغاير ورؤية بعيدة، لا سيما وأن ذكرى الاحتلال جاءت في زمن أراد فيه المغرب، وقد تجدد دستوره، أن يخوض حقبة تاريخية جديدة.

   إن السؤال الجوهري الذي يفرضه الحدث، في السياق الجديد، هو: ماذا بقي من مخلفات الاستعمار، وهل نجح المغاربة في بناء وطنهم المستقل على  النحو الذي يحقق أفق انتظاراتهم المختلفة؟ كنت أتمنى أن أطلع على برامج لمؤتمرات وندوات حول الحدث في مدرجات الجامعات وفي أنشطة الجمعيات وعلى الموائد المستطيلة لمختلف القنوات والإذاعات، وبالبنط العريض على الصفحات الأولى للجرائد والمجلات. وباستثناء بعض الأعمدة القليلة جداً، كانت قضية اغتصاب القاصر وزواجها من غاصبها وانتحارها حدث الساعة الذي غطى على ذكرى القرن، وبذلك صار حدث الأحداث؟

    لا يمكن اعتبار الذكرى المائوية مناسبة فقط لإعادة قراءة تاريخ قريب، وكشف الغطاء، من منظور موضوعي، عن حقبة مهمة جداً لان كل آثارها لا تزال ماثلة للعيان، وفاعلة الى الآن. إنها، إلى جانب ذلك مناسبة لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها الحديث من خلال حقبة عانى فيها المغاربة الأمرين ولا يزالون من الاستعمار، ولا أدل على ذلك من قضية الصحراء التي لا تزال مطروحة في المحافل الدولية، وسبتة ومليلية اللتين لا زالتا رهينتي الاستعمار. إننا لا نعود إلى الماضي لرثائه او مدحه او هجائه، ولكن لاستشراف المستقبل والتطلع اليه.

     دخل الاستعمار إلى المغرب تحت ذرائع ومقاصد شتى لقضاء مصالحه الخاصة. لكنه أوجد لها ما يكفي من المبررات لجعلها مقبولة تحت دريئة نقل المغرب إلى المدنية وإعماره باعتباره أرضا خلاء (الصحراء). واتبع السياسة الاستعمارية لتحقيق مآربه القريبة والبعيدة والتي تتلخص في المبدا القائم على “فرق تسد”. فاستغل الواقع الذي عرفه المغرب خلال قرون من عزلته عن العالم، بعد وصول العثمانيين إلى حدوده الشرقية، ومحاصرة الإسبان والبرتغاليين لشواطئه واحتلال موانئه، من جهة، وقطع الطريق عن علاقته بإفريقيا من الجنوب، من جهة ثانية. فكانت سياسة التمايز والتفرقة الأسلوب الذي اتبعه في فرض هيمنته. ولا داعي للتوقف على سياسة التقتيل والتنكيل  والنهب والسلب فتلك كانت المدخل الذي مكنه من بسط هيمنته ووجوده منذ أحداث الدار البيضاء في ١٩٠٧، وظلت مستمرة إلى حدود مفاوضات ايكس ليبان.

    ابتدأ  الاستعمار أولا بتوزيع أوصال المغرب  بين شمال وجنوب صارا تحت السيادة الاسبانية ووسط بات خالصا لفرنسا. هذا على مستوى المجال العام. ثم لجأ بعد أن تم تحكمه في البلاد والعباد إلى انتهاج سياسات التمايز لزرع المزيد من بذور التفرقة التي تضمن له السيادة. وكانت هذه التمايزات على النحو التالي:

ا. على مستوى البلاد: بين المغرب النافع والمغرب غير النافع، من جهة، والمدينة والبادية، من جهة ثانية. فانصب اهتمامه على إنشاء البنيات التحتية في المجالات التي تضمن له نهب الخيرات. أما المناطق غير النافعة فتركها كما كانت عرضى للتهميش والإقصاء.

ب. على مستوى العباد: عبر إحداث الظهير البربري سنة ١٩٣٠ للتفريق بين العرب والأمازيغ. وكان من تداعياته تأسيس مدارس لتدريس، ومعاهد لدراسة، اللهجات الأمازيغية في الوقت الذي ظل يحارب الإسلام واللغة العربية في كل المدارس التي أنشأها لفرض لغته الفرنسية او الإسبانية.

     بنى الاستعمار سياسته التمايزية هذه على أساس ثنائية بلاد المخزن وبلاد السيبة التي نظَّر لها مؤرخوه وباحثوه الذين كانوا يخدمون سياسته السيادية على المغرب. لكننا عندما نتأمل واقع التمايزات التي كانت واقعة في المغرب قبل دخول الاستعمار نجدها، إذا استعملنا تلك الثنائية، قائمة على السيبة والمخزن في كل من البلادين: فالسيبة لم تكن فقط بين القبائل والمخزن، ولكنها كانت أيضا بين القبائل المتجاورة نفسها. كما أن المخزن كان يستثمر الصراعات القبلية لتطويع قبيلة بضربها بغيرها. وكما كانت هناك قبائل تناهض السلطة المركزية، كانت أخريات تساندها. ولكل مآربه في التحالف أو العصيان. كانت عوامل عدم الاستقرار تؤوب إلى العزلة المغربية، من جهة، وإلى ضعف تلك السلطة، من جهة ثانية.

   استغل الاستعمار هذا التمايز داخل المجتمع فحاول استثماره بتعميق التفريق بين القبائل والمخزن وخلق تمايزات جديدة أومأنا إليها أعلاه. فهبت الذاتية المغربية، متناسية تناقضاتها الخاصة، لتتوحد ضد مرامي الاستعمار ومقاصده.فكانت حركات الريف مع الخطابي والأطلس مع الزياني والجنوب مع الهبة. كما كانت الحركة  الوطنية التعبير الأجلى عن تلك الذاتية المغربية التي تميز تلقائيا بين التناقضات الرئيسية (مع العدو الخارجي) والثانوية (الصراعات الداخلية).

   أفلح الاستعمار في إقامة التمايز بين المغرب النافع وغير النافع وبين المدينة والبادية. كما نجح في فرض لغته وثقافته، وترك العديد من سماته ومقوماته في الحياة العامة للمغرب، وجعل من المغرب متين الصلات به وعلى المستويات كافة.

    بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال، ظل التمايز الذي تركه الاستعمار قائما، وما لم ينجح في تحقيقه، بات الآن مطروحا. فالمغرب النافع والمغرب وغير النافع، والبادية والمدينة من مخلفات الاستعمار. فالمناطق النائية في الجبال، والبادية ظلت معرضة أبدا للتهميش ليس فقط من لدن الدولة ولكن كذلك من لدن الأحزاب والمجتمع المدني. وعلى المستوى الثقافي واللغوي تكرس، تبعا لذلك التمايز بين الثقافة الشعبية و”الثقافة العالمة”. لم يكن التمايز في المغرب يقوم على أساس ديني أو عرقي أو لغوي. فاللغة العربية (لغة الكتابة) والإسلام (الدين) هما لكل المغاربة بلا فرق. لكن ما لم يتم الاهتمام به والاعتناء به، هو الثقافة الشعبية التي أنتجها المغاربة باللهجات المحلية المحكية سواء كانت ذات أصول عربية أو أمازيغية. بزوال التمايز، في الرؤية والممارسة، بين البادية والمدينة، سيزول التمايز بين مقومات الذاتية المغربية سواء على مستوى الوجود أو الثقافة. وبذلك يمكننا تجاوز كل المخلفات، قديمها وحديثها، ونفتح أفقا جديدا للتطور والتقدم.