«

»

حول أسئلة النقد الأدبي بالمغرب

حول  أسئلة النقد الأدبي بالمغرب

وحول واقع النقد في الأدب العربي

 

 

دبي الثقافية / حوار                                             ياسين عدنان

 

 

 

مع الناقد المغربي البارز الدكتور سعيد يقطين

    هل صحيح أن الخطاب النقدي المغربي صار يحتل موقع الريادة في النقد العربي المعاصر؟ وهل نحن فعلاً محط امتياز نقدي في العالم العربي؟ إذن، إلى أي حد يمكن الحديث عن مدرسة نقدية مغربية؟ وهل النقد مجرد خطاب تحليلي واصف ومحايد؟ أم لعله وعيٌ نظري وجمالي ورؤية للعالم قبل أن يكون منهجا ومصطلحات وأدوات مفاهيمية؟

    هذه الأسئلة  حول واقع النقد الأدبي بالمغرب حملتها مجلة (دبي الثقافية) إلى أحد رموز النقد المغربي الحديث. ناقد مغربي مرموق راكم العديد من الإصدارات الهامة بوأته مكانة خاصة في المشهد النقدي العربي. إنه صاحب (القراءة والتجربة)، (الكلام والخبر)، (تحليل الخطاب الروائي)، (الرواية والتراث السردي)، (قال الراوي)، (ذخيرة العجائب السردية)، و(معجم السرديات) الناقد المغربي الكبير سعيد يقطين.

1-   هناك انطباع رائج في ساحتنا الثقافية يعتبر النقد الأدبي أهم إنجازات الثقافة المغربية الحديثة. أريد أن نبدأ بمساءلة هذا الانطباع: ما مدى صحته؟ وماهي خلفياته؟

جواب :

ليس صحيحا كون النقد الأدبي المغربي أهم إنجازات الثقافة المغربية. فالثقافة المغربية قدمت الشيء الكثير في مجال الدراسة التاريخية والفلسفية للثقافة العربية. ويكفي أن أذكر عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وسوى هؤلاء ليتأكد لنا ذلك. لكن تنوع وزخم الدراسة النقدية يجعلها فعلا أكثر بروزا وتجليا. والمسألة هنا لا تعدو أن تكون وليدة انطباع فقط، ولكنها واقع حقيقي يشيد به العرب في المشرق العربي ، وفي باقي دول المغرب العربي أيضا . لقد تكونت هذه الصورة ، عن النقد الأدبي بالمغرب ، بسبب جدية الدراسات الأدبية وعمقها المعرفي والمنهجي وجدتها أيضا. فهي التي عملت على إقامة جسور مع الدراسات الغربية منذ الثمانينيات من القرن العشرين ، ولم تكتف بذلك بل طورت التصورات حول الأدب والنقد ، ونقلتها من الوعي والممارسة اللذين كانا سائدين خلال السبعينيات إلى مستوى جديد  لا يزال مستمرا إلى الآن. أما خلفيته فتكمن في رأيي ، في كون المثقفين المغاربة الذين اهتموا بالدرس الأدبي كانوا متابعين جيدين لكل ما كان يصدر في العالم العربي ، وبدأوا يدركون منذ السبعينيات المأزق الذي انتهى إليه النقد العربي الذي كان يأتينا من المشرق العربي ، والذي كان إيديولوجيا بالدرجة الأولى. ورغم كون الوعي الإيديولوجي كان متطورا في مغرب السبعينيات بسبب تطور الوعي السياسي لدى المثقفين المغاربة ، فإنهم رأوا أن الإيديولوجيا على الطريقة العربية كانت انفعالية وتبسيطية. وكان النقد الموضوعي الذي سلطه عليها العروي في كتابه ” الإيديولوجيا العربية المعاصرة ” محفزا لإعادة النظر في الوعي والممارسة الإيديولوجيين . فكان الموقف من التصورات المشرقية جميعها ، سواء في السياسة أو الأدب . وكانت البنيوية التكوينية التي وجدت لها صدى كبير في المغرب ، محاولة للتجديد ، وجاءت بعدها البنيوية لتكرس وعيا جديدا بالأدب. وفي هذه الحقبة بالذات كانت إسهامات المغاربة جادة  ومتميزة . ويكفي أن نذكر في هذا النطاق الأدب والغرابة لكيليطو ، وفي سيمياء الشعر القديم لمحمد مفتاح ، لنجد أنفسنا أمام طريقة جديدة في فهم الأدب والأنواع والنص ،،، كما أن جدية المغاربة في الترجمة التي كانت ضد التسرع والتسيب السائدين في الترجمات المشرقية كان وراء إضفاء البعد نفسه لهذه الصورة التي صار يراها ، ويتحدث عنها الجميع.

2-   ربما امتياز اللغة الفرنسية جعل المغاربة أقرب من غيرهم إلى المناهج النقدية الحديثة من البنيوية وباختين والسيميائيات حتى السرديات والظاهراتية ونظرية التلقي. وهذا ربما ما جعل البعض يرون بأن كل ما قدمه المغاربة للنقد العربي المعاصر هو وساطة الترجمة لا غير؟ حتى أن هنالك من يزعم أن بعض النقاد المشارقة نجحوا في استثمار هذه المناهج التي قدمها لهم المغاربة أفضل مما فعل نقاد بلاد المغرب. هل توافق على هذا الرأي؟

جواب :

يتضمن سؤالك هذا ثلاثة جوانب. فاللغات الأجنبية ملك للجميع ، والفرنسية ترجم منها المشارقة قبل المغاربة. كما أن من المشارقة من اشتغل بالبنيوية قبل المغاربة. ويكفي أن أذكر أسماء ، للتاريخ ، مثل موريس أبو ناضر وكمال أبو ديب وبطرس الحلاق. لكن أيا من هؤلاء ، مع تقديري لمجهوداتهم ، راكم أدبيات أو ساهم في تطوير المشروع النقدي الذي اشتغل به المغاربة على اختلاف أجيالهم، وإلى الآن .

   أما بصدد الترجمة ، فالمشارقة سبقوا إلى ذلك أيضا، فجمال شحيد ترجم باختين ، وصلاح فضل كتب عن البنائية كتابا ضخما وزكريا إبراهيم وفؤاد زكريا كتبا معا عن البنيوية ،،، ولكن المشكلة ليست في إتقان الفرنسية أو الترجمة منها. فالترجمة في المغرب كانت عملا علميا أيضا فيه مجهود ورؤية وبحث . ولم تكن فقط عملية نقل من لغة إلى أخرى. إن الوعي الذي تحكم في عملية الترجمة هو نفسه الذي كان وراء العمل من أجل تمثل التصورات الجديدة والاشتغال بها ، وهذا ما  لا نجده في المشرق العربي عموما. وهنا مكمن الفرق. لقد آخذت في مختلف كتاباتي على الذين يشتغلون بالبنيوية بالوعي الذي اشتغلوا به على مناهج ما قبل بنيوية. وفي مختلف المؤتمرات التي حضرتها كانت تصوراتنا للبنيوية وغيرها مختلفة عن السائد عربيا. ويبدو لي أن هذه الخاصية تشكلت من خلال وعي إبيستيمولوجي مفتقد في المشرق العربي. ويكفي أن ننظر في كتابات الجابري وغيره عن الإبستيمولوجيا ، وأعمال اللسانيين المغاربة ، على المستوى نفسه، ونذكر هنا أعمال الفاسي الفهري والمتوكل على سبيل التمثيل لا الحصر، لتأكيد أن الوعي والممارسة اللذين كانا سائدين في الثقافة المغربية لدى المشتغلين بالفكر واللغة والأدب والترجمة كان متطورا جدا . ولعل هذا هو ما عمل به المغاربة ، ليس من أجل التميز، فهذا هدف بسيط ، ولكن بغاية العطاء وتطوير الثقافة العربية ، بعد مرحلة طويلة من المتابعة لـ / والاستفادة مما كان ينتج في المشرق العربي.

    أما ، ثالثا ، ما يزعم عن نجاح المشارقة في ما فشل فيه المغاربة ، فلا أراه ، وأنا أتمناه ، لأن كل تطور في الثقافة العربية يسهم به أي عربي في أي مكان ، وحتى في الهجرة ، هو إنجاز ثقافي عربي لا يمكننا إلا أن نفخر به ونؤيده. لكن واقع الحال هو على العكس تماما . وأخبرك وأنا أساهم ، في ملتقيات عربية كثيرة ، وأعمل على الاستفادة مما يقدم فيها ، فلا أجد ما تتحدث عنه . إنها مزاعم ، وأنا لا أقولها من باب المباهاة ، ولكن من باب الحسرة على التردي . وهذا لا يعني أننا في المغرب ، وصلنا إلى ما نريد . هذا وهم ؟ وما نقوله عن تميز المغاربة ، هو نسبي . وإذا قارنت واقعنا بما هو في البلاد المتطورة ، نجد أنفسنا بعداء جدا عن الركب ، وأن ما نقوم به بسيط جدا ، وأنه دون الطموح.

3-   لكن هناك من يؤاخذ على النقد المغربي كون الانشغالات المنهجية استغرقته بالكامل. فحرصُه على الإخلاص للمنهج وعلى الدقة في ترجمة المفاهيم والمصطلحات جعلته يُسرف في اللغة النقدية الموغلة في العُجْمَة والتجريد، بل تصل الأمور أحيانا ببعض النقاد إلى حد ليِّ أعناق النصوص لتطاوع قسراً مناهجهم وأدواتهم المفاهيمية. ما تعليقك على هذه المؤاخذة؟

جواب :

أتفق معك على هذه الملاحظة على وجه الإجمال. لكن المسألة يجب أن تعاين من خلال رؤية مختلفة ولمقاصد مخالفة لما هو رائج. فالانشغال المنهجي ضروري ومطلوب . وحبذا لو كان الانشغال المنهجي ، لأنه سيدفعنا إلى الحوار العلمي السليم ، وليس إلى السجال العقيم. كما أن توليد لغة اصطلاحية لا مندوحة عنه إذا كان انشغالاتنا نظرية وعلمية فعلا . فالمعرفة الأدبية لا يمكنها أن تتطور بالانطباع وباللغة الشعرية التي يمارسها ، للأسف الشديد الكثير من النقاد العرب، ولكن بالبحث العلمي وباللغة الاصطلاحية وبتوظيف الأشكال والخطاطات ،،، وقبل هذا وذاك بمراعاة أسس ومتطلبات البحث العلمي في الأدب.

    عندما تكون الانشغالات المنهجية والاستعمالات المصطلحية مؤسسة على هذه الخلفية سنكون أمام نقاش آخر ومن طبيعة أخرى. أما ما هو شائع من آراء حول هذا النوع من الممارسة فبقدر ما هو صحيح ، إذا أخذنا بعين الاعتبار ، التوضيحات التي بسطتها ، هو خاطئ لأنه يناقش أشياء بمنطق مخالف لمقتضياتها. لذلك فالعجمة التي تتحدث عنها ولي أعناق النص ، تستدعي نقاشا علميا لمعاينة مكامن الخلل ، هل في النظرية أم في التطبيق ؟ أم فيهما معا؟ وهذا وارد. ولكن أن نرفض الوعي والممارسة العلميين ، وبما يتولد عنهما حين نشتغل بالأدب ، بسبب هذه الدعوى أو تلك الذريعة ، فهو ما أرفضه رفضا باتا ، لسبب بسيط هو أنه يكرس تخلفنا العلمي والمنهجي. وأصرح دائما في كتاباتي والملتقيات التي أحضرها  عن هذه الفكرة . وللأسف الشديد أجد العديد من المشتغلين العرب أو حتى المغاربة الذين تبنوا البنيوية ، في وقت من الأوقات ، يحملون مثل هذه الأفكار التي أعتبرها غير صحيحة ، وضد التقدم في فهم الأشياء وممارستها.

4-   لكن الملاحظ هو أن حتى الأدباء اليوم ما عادوا يقرؤون الدراسات النقدية كما في السابق. وهناك من يرى بأن النقد قد انفصل تماما عن جمهور القراء، لأن القارئ يريد أن يقرأ تحليلا سلساً بلغةٍ سهلة المأخذ لرواية أو ديوان ويخرج من العملية بانطباع نقدي واضح بخصوص مضمون الكتاب ومستواه الفني. لكن الغالب عندنا مع الأسف هو التحليل الواصف المحايد واللغة التقنية، وهكذا ضيَّع النقد وظيفته الأساسية التي نفترض أنها تتجلى أساسا في تحقيق نوع من الوساطة بين الأدب والقارئ العام؟

جواب :

   الأديب الذي ما عاد يقرأ الدراسات النقدية لا يمكن في رأيي أن يكون أديبا حقيقيا. وإذا ما وجد في الدراسات النقدية العربية عجمة ولكنة وما شئت من النعوت ، فليس هذا مبررا للإحجام عن قراءة الدراسات الغربية. ولا شك أنه سيجد فيها ما يجده في بعض الدراسات العربية . فماذا سيكون موقفه؟ هل سيرفض أي دراسة لأنها لا تستجيب لأفق توقعاته؟ هل هو في حاجة إلى الانطباع الذي ينوه بتجربته ؟ أغلب الذين كتبت عن تجربتهم عبروا عن استفادتهم منها ، وأنها كشفت لهم مناطق كما يمارسونها بنوع من العفوية. وما قلته بصدد السؤال السابق يمكنني تكراره بما يتصل بهذا المقام. فالدراسة النقدية الجديدة ( وهي لا تزال جديدة ، لأنها متجددة ) ولدت رؤيات ومصطلحات جديدة في لغتنا. أذكر أنه عندما ظهر مصطلح التناص ، كان التندر به كبيرا بين بعض الكتاب ، وحرفوه إلى التلاص. ويمكن قول الشيء نفسه عن ” التبئير ” إذ لم يستسغه الكثيرون ، وكذا التفاعل النصي ،،، وكل هذا ساهم في إثراء اللغة العربية. وكذلك القارئ ، فهو لاينتظر من الدارس أن يبسط له النص ، ويلعب دور الوسيط بالمعنى الذي كنا نفهمه في الخمسينيات ، فالتلقي تفاعل ، وبدون تمكين القارئ من العدة النظرية والمنهجية لا يمكنه أن يحقق التفاعل المنشود. فكما أن المبدع له الحق في تجريب الأشكال وتنويع المحتويات للتعبير عن تجربة خاصة بهدف خلق قارئ جديد. للدارس الحق في تحليل النص وفق تصوره المنهجي لغايات تكوين قارئ جديد قادر على التفاعل مع التجربة الإبداعية بوعي منهجي مختلف.

    إن الدرس الأدبي ، وهو يحاول الانطلاق من تصور علمي للأدب ينشد خلق قارئ متطور عن القارئ الذي ينتظر من الناقد أن يقدم له انطباعته عن النص ، ويعمل على إفحامه بموقفه منه. إن النقد الأدبي يعطي للقارئ أفكارا جاهزة عن النص. أما العالم الأدبي ، فيعطيه الأدوات والمنهجية التي تمكنه من التفاعل مع النص بكيفيته الخاصة. وهذا فرق جوهري بين العلم والنقد. لذلك أعتبر للعلم الأدبي وظيفة تربوية وحضارية لأنه ينمي لدى القارئ إمكانية تشكيل معرفته الخاصة بالأشياء . وعندما يتاح له ذلك ، فيمكنه تفسير النص كما يريد، ولكن وفق ضوابط وأسس محددة.

   يبدو لي أن هذا هو رهان الدرس الأدبي ، وهو يستفيد من العلم . إنه رهان تعليم أبنائنا كيف يصفون النص ، ويفهمونه انطلاقا من تمكينهم من العدة المنهجية والاصطلاحية : أي تحليل النص. وليس كتابة الإنشاء الأدبي.

    إن الغائب الأكبر في مناهجنا التربوية ، وأخص بالذكر هنا التعليم العالي في العالم العربي ، هو المنهج والنظرية. ومن خلال تجربتي الطويلة في التعليم ، كان تحليل النص عقبة كأداء ، ليس فقط أمام التلاميذ أو الطلبة  ، ولكن الأساتذة أيضا . وخير دليل على ذلك ما نراه حاليا تدريس المؤلفات ؟

   عندما تتطور عندنا المناهج ، وتنتقل إلى الثانوي والإعدادي من خلال تكوين جيد ، ومن خلال التمارين وتحليل التقنيات ،،، ستزول ، في رأيي ، كل التوجسات التي يتضمنها السؤال حول الأديب والقارئ ، لأننا سنصبح في مستوى ثقافي عال يسمح لنا بتمثل اللغات الاصطلاحية ، والمنهجيات ،،، ويتأكد ما أقوله الآن ، قد صرنا أمام ضرورة كتابة النص الرقمي الذي صار يفرض على المبدع والمتلقي أن يتعامل مع التقنية، وأن يكون له ثقافة رقمية جديدة.

5-   بعيدا عن النقد الأكاديمي الذي بدأ يتحول إلى عمل  داخل المختبر وإلى تخصص علمي مكتف بذاته، دعنا نركز قليلا على دور الوساطة التي يجب أن يلعبها الناقد ما بين القارئ والعمل الأدبي. ألا ترى معي أن الصحافة صارت اليوم فضاء أساسيا يمكن النقد أن يمارس فيه دوره وإشعاعه بشكل أفضل مما تتيحه الجامعة؟

جواب :

   لعبت الصحافة دورا كبيرا في تطوير الأدب والنقد منذ ظهورها . ولا يمكن إلا أن يظل لها هذا الدور إذا اضطلعت برسالتها ووساطتها على أتم وجه. لكن الآن ، للأسف الشديد ، لم يبق لها هذا الدور. فالصحفي “الثقافي ” أو ” الأدبي” شبه منعدم عندنا في المغرب . في المشرق الأمر مختلف نسبيا، ولكن الدور تقلص كثيرا. والسبب هو من جهة عدم انخراط النقاد في الصحافة لأسباب كثيرة ، يضيق المجال عنها. والصحفي المشتغل بالأدب والثقافة ليس له تكوين ثقافي أو أدبي يسمح له بالاجتهاد. لقد اشتغلت بالصحافة ، وأعرف الكثير من شجونها. الصحفي اليوم لا يحضر الندوة الثقافية ، ويطلب الملخصات ، ويكتفي بها لصياغة تغطية رديئة. لا يقرأ الكتاب، ويكتب إعلانا مشوها . صار الصحفي يطلب الأسئلة والأجوبة معا… هل هذا هو الوسيط الذي يمكن أن يجعل الصحافة رائدة وفاعلة في الساحة الثقافية. ما قلناه عن الأدب ينسحب على السينما والتلفزة والمسرح والتشكيل والكتاب الفكري والاقتصادي ،،،

    في البلاد التي تطور فيها الدرس الأدبي ،لأنه كان دائما طليعيا ، يتحدثون الآن عن ” نقد الوسائط ” ، والذين يقومون به متخصصون ولهم ثقافة أدبية ( لفظية ) وصورية وحركية ،،، وحين يناقشون ما يقدمه التلفزيون ، تجدهم يوظفون لغة علمية يستفيدون فيها من اللسانيات والسميائيات وجماليات التلقي وتحليل الخطاب ،،، قارن هذه البرامج بما يكتب عندنا عن التلفزة والمسلسلات والأشرطة السينمائية ،،، لتجد البون شاسعا جدا. الصحافة الآن تراجع دورها ، وصارت تشتغل بالإشاعة وبما يهم المتلقي ، وقد صارت تتعامل معه كمستهلك وليس كمواطن له الحق في المعرفة . لذلك جاء التفاعل ، المبني على الفعل المشترك ، بين المنتج والمتلقي ، فصار المطلوب ، تحقيق رغبة جمهور له مستوى ثقافي متدن ، من أجل تكريس ثقافة الاستهلاك ، على التفاعل. فأين الإشعاع في هذه الصورة؟

6-   لكن هناك من النقاد من يُخرج النقد الصحافي تماما من دائرة النقد على أساس أن ما تنشره الصحافة من قراءات نقدية هي مجرد كتابات حدسية انطباعية لا تنضبط لمنهج ولا مرجعية نظرية لها؟

جواب : إذا النقد بالمواصفات التي تحدثنا عنها أعلاه ، فهذا غير جدير بأن يكون نقدا. أما النقد فيمكن أن يمارسه الأديب ، والصحفي ، والأكاديمي أيضا. لكن هذا النقد لا بد من أن يتأسس على قاعدة معرفية وجمالية وعلمية . وإلا فليس نقدا. لقد كتب بروست وهنري جيمس وسواهما نقدا لا تزال قيمته عالية وسامية ، وكتبه صحفيون وأكاديميون ، ولا يزال الدرس الأدبي العلمي يسترشد به ويستلهمه، لأن العلاقة بين العلم الأدبي والنقد الأدبي وطيدة ، إلى الدرجة التي يمكن أن نصوغ منها قاعدة مفادها أن لا نقد بدون علم ، ولا علم بدون نقد. وكل ممارسة علمية أو نقدية لا بد من توفرها على شروط وضوابط بدونها يستحيل الحديث عن خصوصيتها العلمية أو النقدية.

   كانت الصحافة العربية ، في علاقتها بالأدب ، طليعية إلى الثمانينيات من القرن العشرين . واحتلت الجامعة مكانها ، منذ ذلك الوقت إلى الآن. لكن الدور العلمي الذي كان من الممكن أن تقوم به الجامعة في تطوير الدرس الأدبي ، عجزت أن تقوم به على الوجه الأكمل ، لغياب تقاليد البحث العلمي وأسسه في ثقافتنا ، فكان التراجع عاما في الصحافة والجامعة معا. وهذا هو الدور الذي يمكن أن يضطلع به المثقفون حاليا ، وهو إشاعة روح البحث العلمي في الجامعة ، بهدف التجاوز والتطور.

7-   الأستاذ يقطين أنت صاحب مشروع نقدي كبير، تخصصت فيه بالمجال السردي دون غيره، وركزت بالأساس على السرد القديم و بالخصوص على السِّير الشعبية. صعوبة هذا الاختيار وأهميته تظهر أكثر إذا أخذنا بعين الاعتبار التجاهل التام الذي تعامل به الفكر النقدي التراثي مع هذه السُّرود. أولاً، لماذا هذا الاختيار؟

جواب : انتقلت إلى البحث في السرد العربي القديم ، عالمه وشعبيه ، بهدف تطوير منهجيتي في تحليل الرواية العربية والسرد عموما من جهة . ولإبراز أن الثقافة العربية لا تقوم على ديوان واحد هو الشعر فقط. ولكن تقوم على السرد أيضا، من جهة ثانية . ولتأكيد أن الثقافة الشعبية العربية جزء أساسي من ثقافتنا التي علينا إيلاؤها ما تستحق من العناية. وعندما نعيد الآن قراءة السيرة الشعبية العربية لا يمكننا إلا أن ننبهر أما هذا الثراء الخيالي العربي الذي فرطنا فيه لاعتبارات غير وجيهة : إبداع العوام.

8-   ولكن لماذا لم يحظ هذا التراث السردي بعناية النقاد القدماء. هل بسبب هيمنة الشعر الذي كانت معايير القدماء النقدية منبثقة في الغالب من بلاغته وجمالياته؟

جواب : كان ذلك من جهة بسبب هيمنة الشعر في المؤسسة الأدبية والثقافية السائدة . ولأن السرد كان شديد الصلة بالحياة اليومية ، وبالإبداع الشعبي. فلم يتم الالتفات إليه، رغم أن له بلاغته الخاصة، التي لم يتم الانتباه إليها للاعتبار الأول.

9-   نحاول كذلك التوقف الدكتور يقطين مع كتابك القيم (ذخيرة العجائب العربية) الذي اشتغلت فيه على سيرة سيف بن ذي يزن. لماذا اخترت هاذ المتن السردي الشعبي بالذات؟

جواب : اعتبرت سيرة سيف بن ذي يزن تجميعا لكل العجائب التي شكلها العربي في تاريخه وفي تفاعله مع الثقافات الأخرى الهندية والفارسية على وجه الخصوص ، وقدمها من خلال صياغة نص متكامل. لذلك فسيف هو تارة السندباد  الذي يرحل في كل الأقاليم والجزر ، وهو تارة أخرى عنترة بن شداد ، أو علي بن أبي طالب ،،، كما أنه تارة ثالثة أبا زيد الهلالي أو الظاهر بيبرس ،،، كل الأبطال الذين ترصدهم السير الشعبية ، وكل ما هو موجود في كتب التاريخ والسير والرحلات والجغرافيا والأخبار ،،، من عجائب مقدم من خلال هذه السيرة التي اعتبرتها ” ذخيرة العجائب العربية” . وهذا المشروع غير منته لأني أتمنى أن أكمله من خلال باقي السير وكل المصنفات العربية القديمة لأني أومن أن المتخيل الشعبي وليد قرون ، وهو المحفز لإنتاج الخيال. وحين أتابع الآن بعض الأفلام الخيالية الأمريكية أو الصينية يحز في نفسي عدم اهتمامنا بخيالنا الجمعي وعدم قدرتنا على تحفيزه لإبداع خيال خلاق ، كما كانت الليالي عندما ترجمت إلى الفرنسية.

10-       ومن عالم العجائب والخوارق مع الملك سيف إلى زمن الانترنت، وهو بدوره زمن للخوارق الإلكترونية الجديدة. كيف ترى النقد اليوم في الزمن الرقمي خصوصا مع ظهور أدب إلكتروني وإبداع رقمي؟ أطرح عليك هذا السؤال لأنك خصصت كثر من كتاب نقدي للنص المترابط في مجال الأدب الإلكتروني؟

جواب :

    لماذا ومتى ظهرت روايات الخيال العلمي ؟ وما صلاتها الآن بألعاب الفيديو والبلاي سطيشن؟ هذا هو ما أسميه الخيال الخلاق . إنه خيال إنساني وعلمي في الوقت نفسه. وهو تعبير عن أخص خصوصيات الإنسان . لذلك أعتبر اهتمامي بالعجائب وبالسرد الشعبي وبالفضاء الشبكي والإنتاج الرقمي كلا غير قابل للتجزيء . بل إن اهتمامي بالعلم ودفاعي عن العلم الأدبي جزء من الكل عينه. إنه عالم متكامل ، يتجاور فيه الثقافي بالإنساني ، والعلمي بالخيالي ، والإبداع العالم بالإبداع الشعبي ، ومهما كانت الوسائط الموظفة في ذلك ، من الشفوي إلى الكتابي ، فالطباعي والرقامي.

لقد ظلت روايات الخيال العلمي مقصاة من دائرة الاهتمام باعتبارها آدابا موازية ، أي من الدرجة الثانية. إنها نظير الثقافة الشعبية في العصور ما قبل الحديثة . لكنها الآن صارت لها قيمة خاصة ، وهي تتقدم من خلال النص المطبوع والمصور( السينما) ، والآن صارت ، وقد حولت مع الرقامة إلى فضاء آخر للإبداع ، ولعل ألعاب الفيديو “حكايات جدات” رقمية جديدة ، جاءت لتلبية آفاق انتظار جمهور جديد ، لا يريد أن يسمع ، ولكن أن يعبر عن ذاته من خلال التفاعل : أن يصنع له قصته الخاصة به .

إننا أمام تحولات جديدة جوهرية تمس العلاقات الإنسانية ، وتمس كل الوسائط ، وتبدل أدوار التلقي والإنتاج. ومأزق نقدنا هو أنه لم يأخذ بالاعتبار طابع هذا التحول الجوهري الذي كانت بداياته مع نهاية الحرب العالمية الثانية. لذلك فالعلوم تغيرت ، والمعارف تطورت ، ولكننا نحن ، لأننا خارج العصر ، لم نتفهم جيدا هذا التحول. وعلى المستوى الأدبي ، أؤكد أن البنيوية كانت مرحلة كبرى في تاريخ البشرية لأنها تشكلت في أفق هذا التحول ، ومنجزاتها في تطوير دراسة اللغة ، ومختلف العلامات التي ينتجها الإنسان ، هي التي كانت وراء ظهور لغات جديدة لا نعرفها هي لغة البرمجة التي يتواصل بها العالم في وقتنا الراهن.

    إننا لا ننتج هذه اللغات ، وهي المتحكمة الآن في أنظمة التواصل بين الناس لأننا لم نفهم البنيوية كما يجب أن يكون الفهم ، لذلك ظلت علاقتنا بلغتنا العربية في الوضع الذي كانت فيه ( ما قبل البنيوية ) . وها  نحن الآن عاجزون عن إنتاج ” نص رقمي ” لأننا لم نصف ونحلل نصنا العربي على أسس علمية ، فلم يتطور نقدنا الأدبي ، ولا نقدنا الوسائطي ، فكيف يمكن أن يكون لنا نقد رقمي ، قادر على تحليل وفهم مختلف العلامات التي يوظفها هذا النص ، ونحن لا نزال غارقين في تأويل النص المكتوب.

    لقد اهتممت بالنص الرقمي ، لغايات ومقاصد لا تختلف عن الغايات والمقاصد التي دفعتني للاهتمام بالبنيوية وبالسرديات ، وهي تحويل
مجرى تفكيرنا في الأدب ليعانق العلم ، وينفتح على التطور. وذلك لا يمكن أن يتأسس بالانطباع وبالتأويل الإيديولوجي وبالتركيز على الأفكار ، ولكن بدخول عصر العلم ، وتشكيل مؤسسات المعرفة العلمية التي لا نزال غير قادرين  على إنتاجها لأننا لم نوفر لأنفسنا ولمؤسساتنا طرائق الاشتغال وفق مبادئ وأسس الفكر العلمي.

    إن السائد عندنا هو ” المعرفة اليومية ” سواء في السياسة أو الأدب أو النقد ،،، وهذه المعرفة يمكننا أن نتخلى عنها في أي وقت ، لأنها مؤسسة على جاهز الأفكار والدلالات والتأويلات. وبهذا أفسر سبب تحولاتنا بين الأفكار حسب التحولات دون أن يكون لنا رصيد دائم نستند إليه في رؤية الأشياء وتصورها. لذلك نتخلى اليوم عن أفكار تبنيناها أمس ،وعضضنا عليها بالنواجذ . ونحن مستعدون ، متى ظهر فكر جديد أن نلهث وراءها ، لذلك لا يمكن لفكرنا أن يتطور ، لأنه لا تاريخي . أما في الغرب فالمعرفة صيرورة ، وفي كل مرحلة تنجز مهام ، تيسر الانتقال إلى ما بعدها وهي تتأسس عليها.

لذلك نجد ثقافات الأمم المتطورة والآخذة بأسباب البحث العلمي تسير . أما الأمم غير المتقدمة ، فهي تقفز .

    النقد العربي يقفز على جديد النظريات ، لأنه لم يتعلم بعد كيف يسير. كان إدراكي لهذه الفكرة وراء اقتناعي بالبنيوية

أضف تعليقاً

Your email address will not be published.