«

»

الأدب والمؤسسة :نحو ممارسة أدبية جديدة

الأدب والمؤسسة

ـ يتناول هذا الكتاب الذي صدر ضمن ” منشورات الزمن / سلسلة الجيب ، ” مارس 2000 تحت عدد 12، جملة من القضايا المتصلة بالعمل الثقافي عموما، والعمل الأدبي تخصيصا ، في علاقاته بالمؤسسات المختلفة : الإعلام / الجامعة ، والمدرسة                         / الجمعيات والأندية الثقافية والأدبية ، سواء في المغرب أوالعالم العربي .

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول هي على النحو التالي :

الفصل الأول : المؤسسة ، السلطة ، الأدب

الفصلالثاني : الأدب ، النقد ، العلم

الفصل الثالث: الجامعة ، الأدب ، المجتمع

وفي ما يلي مقدمة هذا الكتاب :

تقديم

    يعيش المغرب ، ومعه العالم العربي ، على هامش ” العصر ” وخارجه في آن معا . ليس هذا حكما اعتباطيا أو تسرعا في التقييم . فهو وعلى مدى أزيد من قرن ، أي منذ أواخر القرن التاسع عشر وإلى الآن، ظل يحتل من الرتب آخرها في سلم الدول المتقدمة أو المصنعة أو المتطورة . لقد ظل يدرج منذ أواخر القرن الماضي ضمن الدول الضعيفة المستعمرة أو المهددة بالاستعمار. كما أنه منذ الخمسينيات وإلى حدود الثمانينيات ظل يصنف ، حسب الصيغ المتداولة ودرجة لباقتها ، إما ضمن دول العالم الثالث أو الدول النامية. ومنذ الثمانينيات إلى الآن حيث بدأ يسيطر مفهوم “العولمة ” في الاستعمال ، صار يصنف في الخانة الخامسة أو خارج ما يسميه البعض “قطار العولمة”السريع  . إنه تبعا لمختلف المعايير التي يعتمدها الخبراء والمختصون لقياس وترتيب دول العالم لامكان له في لوائح الدول المصنفة أو المدرجة في وضعية جيدة ، وعلى كافة المستويات والأصعدة.

    وإذا كان بالإمكان تفسير هذا الوضع بالشروط التاريخية التي تشكلت فيها العديد من “الدول ” العربية، وحداثة تكونها الحديث بعد حصول العديد منها على استقلالها السياسي في أواسط هذا القرن أو بعده بقليل ، فإن هذا التفسير ليس كافيا بالنظر إلى أن دولا صارت تحتل موقعا عالميا رغم أنها تناظر بعض الدول العربية في العديد من السمات المشتركة ، ومع ذلك فإنها قفزت إلى مواقع أحسن في حين بقيت الدول العربية تراوح مكانها ، أو تتطور بوتيرة بطيئة أومتعثرة .

    وإذا كان تقرير المنتدى الدولي دافوس لسنة 1996 قد رتب خمسين دولة باعتماده  قدراتها التنافسية معيارا للترتيب ، فإنه لا وجود لدول العالم العربي في تقييم هذا المنتدى.  وإذا كانت بعض مؤشرات تقييم الدول وترتيبها  تعتمد معايير كمية مثل : معرفة اللغات الحية، ونوعية التعليم وطبيعة القضاء ،،، من جهة واستشراء الرشوة أو عدمها، وثقل البيروقراطية أو استتارها أوانعدام الديموقراطية ،،، من جهة أخرى ، فإن كل ذلك  يؤكد ما نذهب إليه من كون العالم العربي  مايزال خارج العصر، بالمقارنة مع العديد من الدول التي دخلت العصر ، وهو مما لا يحتاج منا إلى كبير عناء للبرهنة عليه .

    لامراء في أن  المعايير المعتمدة في تقييم الدول وترتيبها بحسب اتصالها بالعصر ، وقدرتها على الانخراط  والفعل فيه غالبا ما تركز بالأساس على ماهو اقتصادي أو إداري ( تقني ) ، وعلى ماهو اجتماعي أو متصل بالوضع السياسي ، ولكنها في الأغلب لاتعتمد في منظورها على ماهو ثقافي أي بما هو مرتبط بالإنسان في حد ذاته . قد يعتبر ما هو متصل ب“الثقافة “داخلا بالقوة أو بالفعل في ماهو اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، أو في الوضع العام الذي تعرفه هذه الدولة أو تلك . وهو صحيح إلى حد بعيد بالنسبة إلى الدول المتقدمة حيث العلاقات وشيجة بين مختلف الأوضاع والأصعدة ، فلا تباين بين مستويات التطور والتقدم ، وإن كان الاختلاف بين هذه الدول يتم بحسب الدرجة لا النوع . إذ لا يمكن تصور دولة لها قدرة على المنافسة على الصعيد الاقتصادي وليست لها  هذه القدرة على أصعدة أخرى تتصل بالعمل الثقافي في منحاه العام .

    لكن حين يتعلق الأمر بالعالم العربي أو المغرب ، لا يكفي والحالة هذه ، أن نشخص الهامشية بالتركيز على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي فقط  ، ونعمل على اقتراح الحلول بناء على مايتطلبه هذا الوضع . إنه بدون اعتماد الأبعاد الثقافية المتصلة بالإنسان ووضعها في المقام الملائم  لا يمكن لكل المقترحات مهما كانت وجاهتها ، وحنكة مقدميها والساهرين على تجسيدها إلا أن تظل بمنأى عن قبول التحقيق أو التبلور أو الانتقال من مستوى الإرادة إلى مستوى الوجود .

    إن المجتمعات التي لم تعرف ” ثورات ثقافية ” في تاريخها الحديث ، أو تحولات حقيقية على مستوى القيم الثقافية غير مهيأة لاستقبال ما يزخر به العصر ، أو لتفهمه حق الفهم . لذلك يمكنها أن تساجله ، أو تنشغل بالتفكير في ذاتها وهي تضع نفسها في مواجهته أو في صراع معه، ولكنها لن تدرك أبدا طبيعة النسق الذي يحركه ، أو تمتلك القدرة على الفعل فيه . وتبعا لذلك تبقى أبدا على هامشه ، سوقا للاستهلاك ومنجما هائلا لتوالد المشاكل والصراعات الجانبية  والمفتعلة أمدا طويلا من الدهر … هذا في الوقت الذي نجد فيه “إسرائيل ” تحتل موقعا متميزا ضمن الدول المتقدمة .

    كل هذه الاعتبارات تدفعنا إلى تأكيد أن الانتقال من موقع “خارج العصر ” إلى ” داخله” لايمر فقط عبر الوعي أولا والإرادة ثانيا في اتخاذ جملة من التدابير والإجراءات التي تشجع على استجلاب الاستثمارات أو تصفية الجو السياسي أو مراجعة أساليب التعليم ، أو تبديل أطر بأخرى،،، كما أنه بكلمة لايمكن أن يتحقق بسلوك السياسات الاقتصادية ” الناجعة ” فقط ، ولكنه يمر كذلك وأساسا عن طريق انتهاج  ” سياسة ثقافية“جديدة ومتطورة ومغايرة لما مورس خلال ردح طويل من الزمان .

    إن كل تلك التدابير والإجراءات ضرورية لإعطاء دفعة جديدة للتحول ، لكنها تظل قاصرة ومحدودة النتائج إذا لم يتم الانتباه إلى أو التشديد على ، البعد المتصل ب” الإنسان” في أعمق تجلياته وأبعاده ومن حيث هو طاقات عضلية وذهنية تعمل  في انسجام تام ، ووفق رؤية واستراتيجية متكاملة .

    لايمكن أن تقاس درجات ومراتب المجتمعات فقط بحسب إمكاناتها الاقتصادية ، وبدون اعتبار رأسمالها البشري . إن العمل الذي يبذله الإنسان ليس فقط مجهودا “عضليا” يساهم في تطوير وتيرة الإنتاج أو تسريعها ، ولكنه أيضا ، و قبل ذلك ، ” قيمة ثقافية “، وتعبير عن ذهنية . ولا يمكن الارتقاء بالذهنية أو تطوير القيم الثقافية للمجتمع بدون إيلاء “القضية الثقافية ” ما تستحق في مختلف المشاريع أو الإصلاحات المختلفة الممكنة أو المحتملة .

    لقد ظلت المسألة الثقافية مغيبة أو موجهة لغايات سياسية ما ، ولكن لم يتم التعامل معها قط باعتبارها ” قضية إنسانية “ تتعلق بالإنسان المغربي أو العربي في حد ذاته . وعندما نتحدث عن “القضية الإنسانية ” فإننا نرمي من وراء ذلك الإشارة إلى الدور الذي يلتفت إلى مختلف أبعاد الإنسان في وجوده وأحاسيسه وانفعالاته وحاجاته المختلفة .

     وتبعا لذلك يمكن ، في تقديري ، قياس درجة تطور المجتمعات بحسب مايضطلع به ” الفعل الإنساني ” ومدى ما يمكن أن يقوم به في سبيل ما يحقق الرفاه للمجتمع ، ومدى الدور الذي يؤديه في الحياة العملية من خلال الانطلاق مما يلي :

1 . وعي الأفراد بالانتماء إلى ” الوطن ” .

2 . إحساسهم بهوية لها عمقها التاريخي والحضاري ، وحلمهم و عملهم الدائب على تثبيت هذا

الرصيد والارتقاء به إلى أعلى الدرجات بين الأمم .

3 . هذا الإحساس وذاك الوعي إذا كان ينم عن الشعور الذاتي ب”حب الوطن ” ، فإنه يتبلور في “العمل ” من أجل  خدمة هذا الوطن ، والتفاني في تطويره والعمل على جعله في الموقع الذي يحقق الرفاه والعيش الكريم لكافة أفراده ويؤدي إلى سيادة روح التعاون والتسامح بينهم من أجل ديمومة ذلك الوضع .

    لكن عندما تسود ” قيم ” الأنانية والنزعة الفردانية في أبشع صورها و تتغلب المصالح الخاصة على ماعداها ، فلايمكن الحديث إلا عما يناقض ما نوميء إليه . ولا يؤدي ذلك إلا إلى المزيد من الكوارث والسلبيات التي ينضح بها المجتمع ، مهما كانت التدابير التي يتم اتخاذها لتسوية الوضع أو تحسينه .

    ونفس الشيء يحصل عندما يصبح ” شعار ” المواطن قول أبي نواس وقد صار :  (أنا لا ) :

أذود الطير عن شجر                   قد بلوت المر من ثمره .

     في مثل هذه الأوضاع يرخص الوطن ويصبح غير ذا معنى بالنسبة للمواطن ، ويكفي أن تتاح لأي فرد أي فرصة للخروج منه إلا وعمل جاهدا على الحياة بعيدا عنه . وهذا أمرّ تعبير وأصدقه في توصيف ما يمكن أن يؤول  إليه المجتمع . وعندما تنتهي المجتمعات إلى مثل الوضع فلا يكفي فيها ما يمكن أن يقدمه “العطار” من وصفات اقتصادية لإصلاح الوضع الذي أفسده الزمان والناس .

    إننا لانرمي إلى جعل الاهتمام ب“المسألة الثقافية “ الحل المعجز لكل مشكلات التردي ومعضلاته الموغل بعضها  في التاريخ والمتولد بعضها الآخر من ضرورات العصر الحديث . وإذا كان هذا قصدنا فنحن نتوهم ونخبط خبط عشواء ، ولكننا فقط نرمي إلى إبراز أن أي تطور لايضع في الاعتبار “البعد الإنساني ” يظل ناقصا . وآن الأوان لإعطاء هذه المسألة ماتستحق من العناية على صعيد الوعي والممارسة معا ، سواء من لدن الفاعلين في المجال الثقافي ( أقصد المثقفين والأدباء ورجال الفن والفكر،،، والمسؤولين عن التعليم والثقافة ) ومن قبل كل الجهات المسؤولة عن نمو المجتمع وتطوره من الدولة إلى مختلف مؤسسات المجتمع المدني ، مرورا بمختلف الهيآت والجمعيات والأحزاب والتجمعات .

   لا أحد يجادل في أن المسألة الثقافية شأن جماعي وتهم كافة فعاليات المجتمع ، وليست “حرفة ” أو ” هواية” فئات من أفراد المجتمع  تنخرط في مجال العمل الثقافي ، أو  تنعزل عن المجتمع ، أو تفكر فيه من على برج عاجي …نريد في هذا الكتاب أن نناقش بعض جوانب المسألة الثقافية فيباعتبارها إنتاجا يضطلع به المبدعون في مختلف أشكال القول المغرب ، والوطن العربي بوجه عام ، و نتوقف بشكل خاص على ما يتصل بالأدب والتعبيروبكونه أخيرا منتوجا يتفاعل معه القراء من مختلف الأعمار ، وبصفته موضوعا للبحث والتفكير من لدن النقاد والدارسين والجامعيين ،،،  والمستويات ،،،

    ونصل هذا النقاش بالمؤسسات ( الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة / الجامعة / الجمعيات ) في مختلف تجلياتها وعلاقاتها به ، ونبين أن الدور الذي اضطلعت به هذه المؤسسات ، وعلى مدى أزمان وعقود ، قد آ ل  إلى استنفاذ مهماته ، ومختلف أدواره . وأمامنا المجال مفتوحا للتفكير في صور جديدة للتفكير والبحث والعمل حتى تتمكن هذه المؤسسات من الاضطلاع  بوظيفة جديدة ، وتفتح بذلك آفاقا جديدة للوعي والممارسة .

    وقصارى ما نسعى إليه هو العمل ، من خلال مناقشة وتشخيص واقع الحال ، على  بلورة رؤية جديدة ووعي جديد بالأدب ، وبالمسألة الثقافية حتى يصبح للأدب دوره المتميز في الحياة اليومية، ويرقى إلى احتلال دوره الوازن في خلق رؤيات جديدة للذات والمجتمع . ويغدو للعمل الثقافي إشعاعه وحضوره المتميز في الحياة العامة . وأي نقاش في هذا النطاق لايمكنه إلا أن يساهم في خلخلة السائد من السلوكات والممارسات التي تطبع واقع علاقاتنا الثقافية والأدبية التي ما تزال خاضعة في جزء أساسي من أشكال ممارساتها إلى طرائق وأنماط لم تؤد رغم الادعاءات إلا إلى خلق الظواهر التي تسهم في تسميم العلاقات ، وعرقلة أي تطور .

  سعيد يقطين