«

»

الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي

                        الكلام والخبر

                        سعيد يقطين

ـ صدر ” الكلام والخبر : مقدمة للسرد العربي ” سنة 1997 عن المركز الثقافي العربي ، بيروت / الدار البيضاء

ـ جاء هذا الكتاب ليكون امتدادا لكتاب ” الرواية والتراث السردي ” ، وليقدم محاولة للإجابة عن الأسئلة الكبرى التي طرحتها فيه، وهي تتصل مجتمعة بكبريات القضايا التي لم نفكر فيها بصورة ، ملائمة ، واكتفينا فيها ، باتخاذ الإجابات التي تم اقتراضها منذ بدايات القرن التاسع عشر من الأدبيات الغربية المختلفة . وفي ما يلي المقدمة التي صدر بها الكتاب :

تقديم

.1عندما كنت أشتغل بالرواية ، من خلال تحليل الخطاب ، ظهر لي أن الرواية الجديدة ، وهي تخرق قواعد بناء القصة ، أو تدخل تقنيات عديدة في تشكيلها ، لا يمكن أن تكون مجال الاستثمار الطبيعي للمعطيات الأساسية التي تساهم في تصور نظري عام للعمل السردي . كنت وقتها منشغلا بالخطاب والنص ، وأؤجل النظر أو البحث في القصة أو المادة الحكائية . ولما كان تشكيل التصور المتكامل لتحليل السرد مقترنا بالبحث في مختلف ما يتكون منه ، ارتأيت الانطلاق من المتن السردي العربي القديم . إنه من الغنى والتنوع بالقدر الذي يتيح لنا إمكانية معالجة الموضوع المؤجل بالصورة الملائمة .

    وقع اختياري على السيرة الشعبية . وكان ذلك للاعتبارات التالية :

أ‌.         أ‌.        السيرة الشعبية عمل حكائي مكتمل ومنته ، وقدم لنا العرب من خلاله العديد من النصوص .

ب‌.     ب‌.   هذا العمل الحكائي يمتاز بالطول الذي يتيح له إمكانية استيعاب العديد من الأجناس والأنواع والأنماط .

ت‌.     ت‌.   إن له خصوصية يتميز بها عن غيره من الأنواع السردية العربية ، سواء من حيث تشكله أو عوالمه الواقعية أو التخييلية التي يزخر بها .

ث‌.     ث‌.   هناك العديد من النصوص العربية الحديثة التي تتفاعل معه ، بمختلف أشكال وأنواع التفاعل النصي .

     دفعتني هذه الاعتبارا مجتمعة إلى الانكباب على السير الشعبية ، وجمع مختلف نصوصها ، والبحث عن النصوص المجهولة منها . وجعلت مقاصدي الأساسية من وراء الاشتغال بها تتحدد مما يلي :

1 . تعميق التصور السردي الذي أسعى إلى بلورته وأنا أبحث في السرد العربي الحديث ، وتطوير إجراءات البحث ، وتدقيق أدوات الاشتغال ، بالانتقال إلى الاهتمام بالسرد العربي القديم .

2 . إقامة علاقة بالنص التراثي العربي في مختلف تجلياته ومستوياته لأن السيرة الشعبية منفتحة على التاريخ والجغرافية ، ومختلف المعارف التي راكم فيها لعرب تصورات شتى ، وتركوا لنا بصددها أدبيات متعددة .

2   يسمح لي هذان المقصدان ، وما يتفرع عن كل منهما من مقاصد ، بتحقيق رغبة مزدوجة : ربط الهواجس العلمية ، بالمعرفة بالتراث العربي ـ الإسلامي . وهذه الرغبة المزدوجة ترتبط لدي ارتباطا وثيقا بمختلف الهواجس والانشغالات الثقافية والاجتماعية التي يمليها علينا العالم الذي نعيش فيه . ذلك لأني أومن إيمانا قويا ، بأ، تطوير المجتمع يمر عبر تطوير مناهج تفكيرنا فيه ، وتطوير مداركنا ومعرفتنا به في صيرورته وتحولاته . كما أن  تطوير معرفتنا بالمجتمع ، وبمختلف بنياته الفكرية والإبداعية يسهم في تطوير معرفتنا العلمية . واختيار السيرة الشعبية موضوعا للبحث والتفكير يستجيب في تقديري لأمور عديدة ، إذ علاوة على الاعتبارات السالفة ، أجد :

ا. أن السيرة الشعبية تنتمي إلى قطاع واسع من الإنتاج الثقافي العربي الذي ظل مهمشا ، ومغيبا من دائرة الاهتمام والبحث ، ولاريب في أن البحث في هذا النوع من النصوص المهمشة ، يفتح أمامنا آفاقا جديدة للتفكير في الذات العربية ، مختلف بنياتها الذهنية والفكرية .

ب . أن السيرة الشعبية ، كإنتاج ، كانت وليدة تفاعل يومي وتاريخي للمجتمع العربي مع العالم الذي كان يعيش فيه . ومن ثمة جاءت محملة بمختلف أ،واع الأحاسيس والانفعالات والرؤيات التي تمثل مواقف العربي من العصر ، والتاريخ ، والآخر . وبذلك فهي كما تنفتح على مختلف روافد التراث العربي ـ الإسلامي الذي كان يشكل قاعدة لها ، كانت تنفتح على موروثات الشعوب الأخرى وثقافاتها ، وخاصة تلك التي كانت على صلة وطيدة بها ( الروم / الغرب ) .

     وهنا نعاين بجلاء مكمن خصوصية نص السيرة الشعبية العربية في تجسيده لمختلف التمثلات الوجودية والذهنية العربية ، للذات والآخر . وهنا أيضا سر بقاء العديد من تجسداته في نسيج المتخيل العربي ـ الإسلامي إلى الآن . لذلك ، فإننا لانبالغ إذا ما حاولنا التشديد على الأبعاد التمثيلية ، في هذا النص ، لمختلف ما يسكن الجسد العربي ، ويترسخ في الذاكرة العربية والوجدان العربي ، ويحدد مختلف أنماط التخيل والإدراك والسلوك لدى الإنسان العربي .

    إن جزءا أساسيا من هذه الأبعاد يبرز لنا بأشكال متعددة في الحياة اليومية ، وبشكل جلي على صعيد النص الإبداعي العربي الذي يروم التفاعل مع هذه النصوص ، ويعيد إنتاجها بطرائق وصور شتى ، باعتبارها مصادر للإبداع والإنتاج والتخييل ، ومنابع لتجسيد مختلف الوشائج التي تصل العربي بتاريخه ، وما يمثله في حياته  و واقعه ، وما يصعده من آمال ومطامح …

3حاولت لتجسيد جزء من المقاصد التي أرمي إلى تحقيق بعض منها من وراء الاشتغال بالسيرة الشعبية الانطلاق من مفترضين اثنين ، جعلتهما مدار أطروحة هذا العمل :

  1. 1.     السيرة الشعبية نوع سردي له خصوصيته وتميزه عن باقي الأنواع السردية العربية . وفي هذا النطاق حاولت نقض التصورات النوعية السائدة لدى الباحثين العرب بشأنها ، والمتمثلة في كونهم يعتبرونها : ملحمة ، قصة بطولية ، رواية ،،، أو ماشاكل هذا من التسميات .
  2. 2.     السيرة الشعبية نص ثقافي : ويتجلى ذلك في كونها ، وهي تتأسس نوعا سرديا له خصوصيته ن تنفتح على مختلف مكونات الواقع العربي ، وثقافته ، وتقدم لنا نصا يتفاعل مع مختلف ما أنتج الإنسان العربي في تاريخه .

    هذان المفترضان حاولت الانطلاق منهما لدراسة السرد العربي من خلال السيرة الشعبية بهدف تجسيد مختلف البنيات الائتلافية والاختلافية التي تسم العام والمشترك ، والخاص والمختلف داخل النسق العام الذي يحكم مختلف هذه الإنتاجات وتجلياتها. وكان علي تبعا لذلك أن أقسم هذا البحث إلى تأطير وأربعة فصول :

ـ تناولت في التأطير التصور النظري الذي أنطلق منه لدراسة السرد ، وبينت حدوده وآفاقه ، ومعالمه الكبرى ، وخطوطه الأساسية  .

ـ أما الفصل الأول فجعلته لرصد آراء القدماء العرب حول ما أسميته ” النص”  و” اللانص ” ، متسائلا عن أسباب الاهتمام بنوع من النصوص ، وعدم الاهتمام ببعضها الآخر .

ـ وكان الفصل الثاني حول ما أنجز بصدد السيرة الشعبية فبينت الأسباب الأسباب الكامنة وراء الاهتمام بها في منتصف هذا القرن، ووقفت عند حدود إنجازاتها ، مع ما لها من أهمية ، محاولا تقديم تصور جديد لدراسة السرد العربي ينبني على أسس جديدة ومغايرة . واضطلع الفصلان الأخيران بتوضيح معالم هذا التصور .

ـ حاولت في الفصل الثالث الانطلاق من ” الكلام ” العربي كما تقدمه لنا اجتهادات مهمة يمكن استثمارها لتشكيل تصور متكامل للكلام العربي ، ولأجناسه وأنواعه ، وذلك انطلاقا من البحث فيه :

  1. 1.     ) في ذاته .       2 .) في صفاته .      3 .)  في علاقاته .

هذه الأسس حاولنا إعادة صياغتها في الفصل الرابع من خلال محاولتنا إقامة تصور لدراسة الأجناس والأنواع والأنماط . كانت نقطة الانطلاق التمييز بين المبادئ والمقولات والتجليات . وجعلنا كلا منها متصلا بقسم من أقسام الكلام ، فربطنا المبادئ بالتياث ووصلناها بالجنس ، والمقولات بالتحول ، وربطناها بالنوع ، وجعلنا التجليات ترتبط بالتغير ، ووصلناها بالنمط .

          وانطلاقا من صيغ الكلام ميزنا بين ثلاثة أجناس للكلام العربي هي : الخبر والحديث والشعر . وانصب اهتمامنا على الخبر . فنظرنا إليه من حيث أ،واعه وأنماطه ، وحاولنا موقعة السيرة إلى جانب الخبر والحكاية والقصة ، باعتبارها من الأنواع الخبرية أو السردية الأصلية .

          وبعد استعادة تصورنا السردي ، وبحسب المبادئ التي حددنا لدراسة الكلام ، جعلنا ” القصة ” متصلة بالمبادئ لأنها مأوى الجنس ، والخطاب متصلا بالمقولات ( النوع ) ، وكان النص مرتبطا بالتجليات ( النمط ) . ورأينا أن السرديات النصية لا يمكن أن تكتمل أو تتكامل إلا بمعالجتها السرد من حيث هو قصة ، من خلال ” سرديات القصة ” ، والسرد من حيث هو خطاب “سرديات الخطاب ” ، وقررنا تناول السيرة الشعبية من حيث هي ” قصة ” من خلال التركيز على ” الحكائية ” باعتبارها الخاصية التي بواسطتها تنتمي السيرة إلأى جنس الخبر أو السرد ، وجعلنا ذلك مدار كتاب آخر هو : ” قال الراوي ”  (1997) .

    يأتي هذا الكتاب ، كما يمكن أن يبدو ذلك للقارئ المتتبع ، امتدادا لكتابي ” الرواية والتراث السردي ”  ( 1992 ) . إنه يسعى جاهدا للإجابة عن بعض الأسئلة التي طرحتها في خاتمته المفتوحة ، والمتعلقة بدراسة السرد العربي القديم . كما أنه من جهة ثانية، يأتي مقدمة لمختلف أبحاثي عن التراث السردي العربي ، وخصوصا ما تعلق منها بالسيرة الشعبية التي أبحث فيها من خلال بنياتها الحكائية والسردية والنصية . هذا البحث الذي أريده متكاملا ، ومنفتحا على مختلف القضايا والإشكالات والأسئلة التي تهم الإنسان العربي ، والثقافة الربية وفي مختلف الزوايا والمستويات ، لأ،ها تتصل بالعربي في ذاته ، وصيرورته ، وآفاقه .