«

»

مساءلة تجنيس السيرة الشعبية ضمن الكلام العربي

                                                                                                                 د . محمد الداهي

تقديم:

يتسم الكتابان الأخيران(1) لسعيد يقطين بالجرأة في طرح جملة من القضايا المتعلقة بقراءة التراث بأدوات وأسئلة وغايات جديدة ، وبتجنيس نص السيرة الشعبية ضمن الكلام العربي ، وبتقديم تصور سردي شمولي قادر على تحليل النص من جميع جوانبه .ستتمحور هذه المقالة حول مساءلة التصور الجنسي( نسبة إلى الجنس) Génériques المقترح في الكتابين بهدف تحديد منزلة السيرة الشعبية  ضمن جنس لم يحظ بالاهتمام النظري والعلمي الكافيين (الخبر-السرد).لقد بذل الباحث والناقد سعيد يقطين مجهودا كبيرا لتشييد شعرية عربية ، وإن كانت منفتحة على التراكمات المعرفية والشعرية الغربية ، فهي تتغيا صياغة نمذجة مختلفة عن النمذجة الأرسطية المزعجة ( بتعبير جون ماري شايفر). وهذا بالضبط ما حثني على معاودة النظر في التصور الجنسي عند سعيد يقطين ، وعلى توسيع دائرة النقاش لإثارة من جديد معضلة التجنيس. مع العلم أن ماهية الجنس  تستضمر أجوبة متعددة وإمكانات متنوعة وتصورات متضاربة. وفي جميع الأحوال يتعذر  -حسب وجهة نظر كلوينسكي Glowinski- إيجاد نمذجة كونية ، وحتى في حالة وجودها فهي ستكون تعميمية وتخطيطية ، بحيث لن تقدم الشيء الكثير عن الأجناس وخصائصها وكيفية اشتغالها. وإن تضارب الآراء حول التجنيس ، أغنى نظريات الأدب بتصورات وتصنيفات ونمذجات متباينة في خلفياتها النظرية ومنطلقاتها الابستمولوجية (النظرية المعيارية ، والجوهرانية الأرسطية ، والجوهرانية التاريخانية…الخ).

     ينطلق سعيد يقطين في كتابيه (الكلام والخبر ، وقال الراوي1997) من مفترض أن السيرة الشعبية نوع سردي عربي له خصوصيته وتميزه عن باقي الأنواع السردية العربية. وبعد فراغه من تحديد الكلام وتقسيمه إلى أجناس وأنواع، ومن التمييز بين صيغتي الإخبار والقول استنتج ثلاثة أجناس هي الشعر والحديث والخبر أو السرد. واعتبر السرد هو الاسم الجامع الذي يحوي أنواعا سردية مختلفة بمافيها السيرة الشعبية، ونظر إلى هذا النوع الأخير وإلى جنسيته السردية وفق ثلاثة مبادئ نجد في مقدمتها الثبات ( المادة الحكائية )، فيليه التحول(المميزات الخطابية)،ثم يليه التغير( كل ما يتعلق بالنص من أغراض وغايات).

أشار أسوالد ديكروO.Ducrot وتزفتان تودوروفT.Todorov  إلى “أن المختص في مجال الشعرية لايسائل البتة مقولات الخطاب الأدبي، بل يسائل النموذج الأدبي للعصر. ويمكن أن نجده عند الكاتب (رجوعه إلى نموذج معين للكتابة، وإن كان يروم إلى خرقه) والقارىء. فيما يخص هذا الأخير، فإن الأمر يتعلق ب”أفق نتظار”، أي بجماع من القواعد الموجودة مسبقـاً والمحددة لفهمه والممكنة من التلقي المقدر”(2).ما يهمني من إدراج هذه القولة، هو بيان أن كل باحث في مجال الشعرية، ينطلق من تصوره الخاص لعملية التجنيس ،ومن افتراضات خاصة يحاول التأكد من صدقيتها واستنتاج البنيات الكلية المجردة.وفي هذا المضمار، هناك من اعتبر التصنيفات والتجزيئات الشعرية بناء ميتانصياMétatextuelles  يستمد شرعيته من الإستراتيجيات المعرفية للمختص في مجال الشعرية، وليس من التباين الداخلي للبنيات(3).لا أنحو في هذا الكلام منحى من يشككك في مصداقية الشعرية وأهميتها، لأن هدفها ،سواء في حالة الرفض أو القبول، يكمن في توضيح العلاقات بين الأعمال اعتماداً على المميزات الجنسية أكثر من الاهتمام بتصنيف الأجناس (4).إن إبداء بعض الملاحظات على تصور سعيد يقطين لتجنيس السيرة الشعبية، لايقلل من صرامته العلمية ولايستهدف نقضه، وإنما يتغيا إيضاح أن هناك إمكانات أخرى للتفكير في مسألة الأجناس الأدبية.

1-منح سعيد يقطين للتقسيم  الجنسي المعتاد (الجنس،والنوع،والنمط) دلالات خاصة نابعة من قناعته بضرورة التخلي عن الثلاثية الأرسطية (الملحمي،والغنائي،والدرامي) للتفكير في قلب الشعرية العربية بهدف الاستئناس بمفاهيمها وإعادة النظر فيها بأسئلة جديدة ووعي جديد.وما لفت نظري هو أن سعيد يقطين وضع النمط في المرتبة الأخيرة، مع العلم أنه يشكل في كل التصورات الشعرية النموذج والمثال الذي يتضمن السمات القاعدية أو العليا، فيأتي الجنس ليتصرف فيها بطريقته الخاصة. فالأنماط تُستخدم للتصنيفات الكبرى، وهي أشمل وأعم من الأجناس والأنواع. وهكذا تدخل الآثار الأدبية في الأنواع، وتدخل الأنواع في الأجناس، وتدخل الأجناس في الأنماط. وتحيل ثنائية الجنس/ النمط إلى الترابط الموجود بين الكينونة البنيوية والظاهرة التاريخية. و»هذا ما نجمت عنه مقاربتان مختلفتان: إحداهما استقرائية تثبت وجود الأجناس بعد ملاحظة تواجدها في فترة محددة، وثانيتهما استنباطية تقر بوجود الأجناس مُنطلقةً من نظرية للخطاب الأدبي”(5). وتعتبر الأجناس هي الأشكال الطبيعية للشعر. فقد تم تحديدها بمقولات جمالية ( جون بولJ.Paul )،وموضوعاتية (غوتةGoethe )،وتلفظية (جاكبسون)،وزمنية (إميل ستايجرE.Staiger ). نَسَّب جيرار جنيت الأنماط (الثلاثية الأرسطية)،وأعاد تحديدها باصطلاحات جنسية، وبين أن الرومنسية سلكت مسلكا مغايرا بجعل الثلاثية والأنواع الشعرية البسيطة لم تعد قائمة على أنها طرق إخبارية فعلية، سابقة لكل تحديد أدبي وخارجة عنه، وإنما على أنها أنواع من جوامع النص(6).ويتضمن كل إسم جامع أجناسا تجريبية، وتحوي هذه بدورها أنواعا أوأجناسا محتملة الوجود. فما اعتبره الباحث سعيد يقطين جنسا (الشعر والنثرأوالكلام) يمكن أن نرتقي به إلى مستوى النمط ، لأنه يتكون من سمات أسلوبية شاملة. فالشعر على سبيل المثال يتضمن الوزن والقافية، ولما يتصرف الجنس في مثل هاتين الخصيصتين يتولد القريض والرجز والموشح…إلخ.

2- على الرغم من أن جميع الأجناس الكبرى والصغرى لاتعدو أن تكون طبقات تجريبية أسهمت ظروف تاريخية خاصة في بلورتها، فهذا لاينفي دورالفطريات الإنسانية والكونية وكفاياتها التخييلية في وسم بعض الأجناس وتداولها بحسب الحاجات والمحفزات(7).يبسط ديوميدDiomède  الأنماط العليا في الشكل التالي: الغنائي هو الذي يتكلم فيه شخص واحد،والدرامي هو الذي تتحاور فيه الشخوص،والملحمي هو الذي يتقاسم فيه الكاتب والشخصيات حق الكلام. هناك كثير من الأجناس والأنواع العربية القديمة والحديثة يمكن أن تُدرج في خانتي الملحمي(ومن بينها نذكر  السيرة الشعبية،والسيرة الموضوعية،والسيرة النبوية) أو الغنائي(على سبيل المثال السيرالذاتية والرسائل)، ويمكن أن تُختزل في نمطين أسايين : الشخصي والمروي(8).في حين تأخرت الأجناس التي يمكن أن تدخل تحت الدرامي إلى مطلع النهضة الحديثة ليس فقط بسبب سوء ترجمة كتاب الشعرية لأرسطو، بل لعدم الحاجة إليه في وسط عربي انتعشت فيه الأشكال المسرحية التقليدية المنسجمة مع الذهنية العربية الإسلامية(التعازي،ومسرح الظل،ومجالس السمر،والحلقة،وأهال…).وما أريد تأكيده هو أن النمط ذوبعد كوني،وهذا ما حاول بعض الفلاسفة العرب البرهنة عليه بتلخيص كتاب الشعرية لأرسطو ومحاولة  تقريب مفاهيمه الجوهرية (رغم خيانة الترجمة) بإعطاء أمثلة من التراث الشعري بصفة خاصة.ويعتبر النمط مقولة ثابتة، في حين أن الباحث والناقد سعيد يقطين ربطه بالكلام من جهة ما يطرأ عليه من تغير في موضوعاته وصوره وأغراضه وأساليبه،وبحث فيه بغض الطرف عن جنس الكلام وأنواعه. وما أدخله سعيد يقطين ضمن النمط يمكن أن يرتقي إلى مستوى الجنس وهذا ما حاول أن ينفيه بخصوص العجيب والغريب اللذين اعتبرهما تودروف في كتابه مدخل إلى الأدب الفنطاستيكي(1970) بأنهما يشكلان جنسا أدبيا. ويمكن أن أضيف مثالا آخر يتعلق بالموضوع الأطروحي الذي كان يعتبرمبتذلا ووضيعا ، وهو ماحاولت سوزان روبان سليمانS.R.Suleiman  في كتابها الموسوم ب الرواية ذات الأطروحة(1983) أن تعيد له الاعتبار بإبعاده عن جنس الرواية الواقعية واعتباره جنسا قائما بذاته، ومتفردا بنموذجه البنائي،ومتميزا عن باقي الأجناس والأنواع الروائية بكونه يقوم على جمالية محتمل الوقوع والتشخيص.يرى سعيد يقطين أن الأسلوب ذو طبيعة متعالية على كل من الجنس والنوع، لأنه يتصل بالبنيات الخاصة التي يتميز بها كلام عن آخر.في حين أرى أنه قد يدخل كعنصر تمييزي لوضع حد بين بعض الأجناس.وبما أن سعيد يقطين كان مركزا بشكل أكثر على الكلام العربي، فإنني  سأسوق مثالا يتصل بأحد مكوناته القاعدية وهو الشعر.يعتمد صفي الدين الحلي على معطى أسلوبي لتصنيف الأجناس  الشعرية بحسب احترامها لقواعد الإعراب أو عدمه.وخرج بسبعة أجناس مصنفة داخل ثلاثة أصناف: فالصنف الذي يحترم المواضعات الإعرابية يشمل ثلاثة أجناس وهي القريض والدوبيت والموشح،أما الصنف الذي لايحترمها لعاميته فهو يضم ثلاثة أجناس وهي الزجل والكان كان والقوما، أما الصنف الأخير (المواليا) فهو لايخضع كثيراً لقواعد الإعراب(9).

3- أجد في كثير من الكتب العربية لَبْساً في التمييز بين النوع والجنس.ويمكن في هذا السياق أن أقدم بعض الأمثلة. يقول رشيد يحياوي في كتابه نظريةالأنواع الأدبية(1991):”لكن دارسا آخر هو تودوروف يضع تفريقا شديد الوضوح بين النمطType والنوعGenre  وهو تفريق منهجي مثمر.إن الفرق عنده بين المصطلحين يعود إلى الفرق بين التجريدي الكوني والإنجازي التاريخي.وإذا كان في العربية اختلاف في استعمال “النوع” أو “الجنس” فإنه يبقى اختلافا شكليا. فالمصطلحان معا ترجمة لGenre  وKind. وبعيدا عن التصور الفلسفي المنطقي لأرسطو، لا تعطي هذه الدراسة  أي فرق في الدرجة أو القيمة للكلمتين العربيتين»ص8. ويعتبر سعيد يقطين الرواية نوعا أدبيا حديثا في الإبداع الأدبي والثقافي العربيين( الرواية والتراث السردي ( 1992) ص7)،ويؤكد هذا الطرح في الكلام والخبر” ولعل الرواية الآن من أكثر الأنواع الخبرية قبولا لتحقيق هذا التداخل والاختلاط، وباعتباره النوع الأكثر اتصالا بواقع العصر المعقد والمتغير باستمرار»ص197. ولما أعود إلى بعض المراجع الأجنبية، أجد أن المصطلح الذي يلائم النوع هو Species وEspèce.ولايمكن فهم هذه المصطلحات إلا بالرجوع إلى المرجعية البيولوجية التي تقدم تصنيفا محكما ودقيقا للكائنات الحية.فهي تصنفها إلى مملكتينRègnes: المملكة الحيوانية والمملكة النباتية.وتنقسم كل مملكة إلى مملكتين فرعيتين،ثم إلى شعب Embranchements،وأقسامClasses ورتبordre،وأجناسGenres،وأنواعEspèces.

        لقد كان  العرب القدامى واعين بالتراتبية العلمية الموجودة أساسا بين الجنس والنوع، فجعلوا الأول أشمل من الثاني.ويمكن في هذا الصدد التمثيل بكتاب المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع لأبي القاسم السجلماسي الذي انطلق من عشرة أجناس عليا تتشعب إلى أنواع قد تصبح بدورهاأجناسا لما يليها.حدد سعيد يقطين الأنواع الثابتة بأنها أقرب إلى الأجناس من حيث طبيعتها
وبنياتها  ” فهي الأنواع الأصلية التي تتحقق بشكل دائم، وتظل موجودة بصورة مستمرة…عندما نأخذ “الخبر” للتمثيل نجد أن الأنواع الخبرية الأصول هي:1الخبر،2 الحكاية، 3 القصة، 4 السيرة. فهذه الأنواع الخبرية أصلية لأنها ثابتة، ويمكن أن توجد متعالية عن الزمان والمكان”(الكلام والخبرص195).ويمكن أن نبدي الملاحظات التالية على هذا التعريف:

3-1-يمكن أن نعتبر السيرة نمطا خطابيا نثريا، ونموذجا يختزن مجموعة من السمات البنيوية. ومنه تفرعت أنواع أو أجناس سردية متعلقة أساسا بحياة شخصية ما، ومصنفة إلى نمطي المروي والشخصي (السيرة النبوية، والسيرة الشعبية،والتراجم،والسيرة الذاتية،والسيرة الموضوعية).ويتفرع المروي إلى المعترف به والمنتسب ( على نحوالسيرة النبوية)،وإلى المقصي وغير المنتسب (السيرة الشعبية).وفي هذا الإطار يمكن أن نعتبر السيرة الشعبية جنسا أدبيا لأنها تشكل نصا واحدا يشترك في كثير من المميزات البنائية الخطابية والحكائية، يمكن بدوره أن يتفرع إلى أنواع محددة. ونجد هذا إلإحساس بالتجنيس عند القدماء أنفسهم وإن كان يعبر عنه باصطلاحات خاصة كضروب الكلام وأقسامه وفصوله. ففي باب النثرمثلا، تم إدراج الترسل، والخطبة، والمقامات،والأمثال المرسلة،والحكايات،والحديث.ولكل واحد من هذه الوجوه موضوع يستعمل فيه.ولانجد جرأة تسمية هذه الوجوه بالأجناس إلا عند الأقلين.ونمثل بواحد منهم.تقول الفت كمال الروبي مايلي” والمعيار الذي تتحدد من خلاله الأجناس النثرية التي ذكرها ابن وهب -هنا- قائم على أساس وظيفي”(التشديد مني)(10).

3-2-نلاحظ أن سعيد يقطين قدم تصنيفا محكما ودقيقا، لكنه مع ذلك وقع في الخلط بين الجنس والنوع الثابت(الأصل). والحالة هذه يُستحبُّ وضع حد بينهما.وبتركيز سعيد يقطين على مبدأ الثبات في الجنس وفي هذا الضرب من الأنواع ، ينطلق من النموذج البيولوجي الذي يقر بعلاقة تضمين شاملة(على نحو انتماء الفرد في تكونه العضوي إلى طبقة الإنس) وبوجود علل وراثية داخلية،ويحدد النص انطلاقا من جنسه، بمعنى أن هذا الأخير هو بمثابة الجوهر المحدث للأول وكذا المعرفة المؤدية إلى وجوده(11). في حين أن النص لايتوالد مباشرة من علل ثابتة ومتعالية بل من علل خارجية ومتغيرة. وهذا ما نجده مشخصا في هذه القولة لجون ماري شايفرJ.M.Schaeffer:”إن العلاقة بين الطبقة والفرد لايمكنها أن تكون هي نفسها في كلتا الحالتين. إن كانت للمواضيع الطبيعية بعض الميزات الطبيعية المشتركة،فذلك لأنها تنتمي إلى نفس الطبقة، أي أنها تأتي إلى الوجود من خلال علة وراثية داخلية(بالنسبة للطبقة).على العكس من ذلك، فالمواضيع الاصطناعية إن كان بإمكانها تكوين طبقة خاصة بها، فذلك لأنها تتوفر على بعض الميزات المشتركة، وهو الميزات المشتركة التي حصلت عليها بسبب علل خارجية عن الطبقة النصية، أي بسبب نوايا إنسانية أساساً»ص136. ويمكن في هذا الصدد معاينة كثير من الأمثلة التي تبين أن الأجناس غير ثابتة، إذ يمكن أن تتفرع عنها أنواع تصبح بدورها أجناسا. وهذا ما يمكن أن نعاين بعض ملامحه في كتاب المنزع البديع، يمكن أن نشخصه في كون النظم والنثر نوعين تحت جنس الكلام. ثم أصبحا يُتحدث عنهما بوصفهما جنسين كلاميين. وتفرعت عنهما أنواع كالقريض والموشح والدوبيت والمقامة والخطابة والترسل…الخ، يمكن بدورها أن تجنس مادام أن كل واحد منها منضبط لقاعدة تشتغل على طبقة من النصوص تنفرد بميزات بنائية مشتركة و بأنساق مهيمنة خاصة .

 3-3- كان من اللازم في نظري إدماج الحديث والخبر في خانة واحدة أو تحت أصل كلامي محدد( على نحو الخبر)، لكونهما يشتركان في الصيغة نفسها وهي السرد المختلط الذي يهيمن فيه السرد على الحوار.وما جعل الالتباس ينطلي على سعيد يقطين -رغم نباهته وحذاقته- هو ربط الحديث بالمقام الديني أساسا،وعدم الارتكاز،على الأقل، على التخريجات اللغوية الاشتقاقية التي  تعتبرالحديث مرادفا للخبر،ومنه الأحدوثة التي تعني المادة الحكائية المثيرة لندرتها،والمحدثون وهم السمار،ويقال رجل حدث ملوك، إذا كان صاحب حديثهم وسمرهم.والعرب القدامى كانوا يستعملون ما أسماه سعيد يقطين بصيغ الأداء (التي سرعان ما سيعوضها في الصفحة 219 بصيغة أداة الإخبار(السرد)) لتبليغ الخبر(الأحدوثة) المنقول سماعا إلى المتلقي، فكانوا لايميزون بين الصيغ الثلاثة التالية:قال،وحدثنا،وأخبرنا.يمكن أن نجد في كثير من المتون العربية القديمة أن هذه الصيغ هي تنويع لصيغة واحدة تفيد رواية الخبر.ويمكن أن نجدها مجتمعة في كتاب،وهو ما يؤكد أنها تؤدي وظيفة خبرية أو”روائية” واحدة. وللتدليل على صحة ماتقدم، سأقتطف من كتاب الأذكياء(12) هذه الشذرات متعمدا أخذها من صفحتين متتاليتن:

“(قال) المحسن بن علي التنوخي عن أبيه قال حججت في موسم اثنين وأربعين فرأيت مالا عظيما وثيابا كثيرة تفرق في المسجد…”ص99

(حدثنا) إبراهيم بن عبدالله قال كنت في بيت عمتي ولها بنون،فسألت عنهم فقالوا قد مضوا إلى عبدالله بن داود فابطؤوا ثم جاؤوا يذمونه”ص99.

(أخبرنا) علي بن المحسن عن أبيه قال أخبرني جماعة من شيوخ بغداد أنه كان بها طرف الجسر سائلان أعميان…”ص 100

وبانطلاق سعيد يقطين من صيغتي (القول والإخبار)،وبالنظر إلى الأداة (شعرونثر)،وإلى وضع صاحب الكلام(الراوي،والمتكلم) ميز بين ثلاثة أجناس وهي:الشعر والحديث والخبر.لم يتطرق سعيد يقطين إلى بعض أصول الكلام ومجاري الخطاب التي اقترحها القدامى،وذلك قصد التأكد من صدقيتها وملاءمتها،ومقارنتها وموازنتها بما استخلصه من أجناس تستوعب كل كلام العرب.ومن بين اقتراحات القدامى، ما يذهب إليه الباقلاني حينما يعتبر هذه الفنون أو الوجوه الثلاثة أصولا،وهي الشعر والرسائل والخطب.ويضيف إليها المحاورات مميزا بينها وبين “الأصول” باعتبار حضور القصد الفني في الأولى وانحساره في الثانية لجريانها في زمن محدد وحضور المتحاورين(13).

4- للصيغة دور أساسي في تحديد الأنماط (كلوص همبفرK.Hempfer1973، عبد الفتاح كليطو 1983)، وفي تحديد الأجناس(ديمويدDiomède  في نهاية القرن الرابع الميلادي)،وفي بيان علاقة الأشكال الطبيعية الحقيقة الثلاثة بالأنواع الشعرية البسيطة (غوتة في 1819).لقد تضاربت  قديما المفاهيم العربية في تحديد الصيغ،وكان الغرض المتوخى منها هو الوقوف عند الجانب التداولي في الكلام ،وتوليد الأغراض الشعرية.ومايهمنا من هذه الصيغ هو الصيغة المترددة عند الجميع تقريبا وهي صيغة الخبرالذي يحتمل الصدق والكذب، لذلك اضطلع بعض الرواة الثقاة والمعتد بهم بالتوثيق والإسناد للتأكد من صحة المخبر به أو المروي، بخاصة لما يتعلق الأمر بنوع من الخبر يشترط فيه الصدق وعدم التزييف( مرويات السيرة النبوية والأحاديث النبوية).أما الأخبارعلى شاكلة السيرة الشعبية وحكايات ألف ليلة وليلة وأخبار الظراف والعشاق والحمقى ) فكانت مستهجنة ومقصية (اللانص). أما باقي الأنواع( على نحو القصص الفرآني وحكايات كليلة ودمنة)،فكانت وظيفتها الأساس معترفا بها،  وتكمن  في الإرشاد والموعظة . ولقد ركز سعيد يقطين في كتابه الكلام والخبر على صيغة السرد بوصفها أداة للإخبار،ونترقب أن يحلل سردية السيرة الشعبية ويبين وضعية الإخبار فيها أي مايتعلق بالصيغ المتحكمة فيها،وهي الكفيلة بتحديد جنسية السيرة الشعبية ونوعيتها وعلائقها بأنواع سردية وخطابية أخرى.ولضمان انسجام بين المفاهيم الموظفة، أوثر استعمال “الرواية “أوالحكي فيما يتعلق بالمادة الحكائية( حكائية السيرة الشعبية)، واستخدام السرد فيما يتعلق بطرائق تقديم وعرض المادة الحكائية (سردية السيرة الشعبية) ، وذلك حتى يحصل انسجام في المفاهيم المستخدمة.

5- انطلق سعيد يقطين من صيغتين للكلام ( القول والإخبار) ، لكن سرعان ما استبدل الإخبار- لمقتضيات منهجية- بصيغة جديدة وهي السرد . ويعرفها بأنها الأداة أو الطريقة التي من خلالها يقدم بها الإخبار، واعتبر السرد هو الإسم الجامع (الجنس) لمختلف أنواع الكلام الذي يتحقق بواسطته. وهكذا نلاحظ تحيين واحدة من الصيغ الأفلاطونية الثلاث ، وهي صيغة السرد التي تنبني عليها الملحمة . كما أن ديموميد اعتمد عليها لتوليد ثلاثة أنواع وهي السردي والحكمي والتعليمي. وبرجوعنا إلى الصفحة 195 نجد أن الخبر- قبل أن يستبدل بالسرد – يحوي ثلاثة أنواع خبرية أصول ، وهي الحكاية والقصة والسيرة. إن المزج بين المعيار الجنسي والمعيار الصيغي كان يقتضي من سعيد يقطين معاودة النظر في التمييز بين القصة والحكاية، وبيان المتغيرات السيرية ، وإدراج أنواع خبرية أخرى حتى تزيد التصور المنطلق منه متانة وتعطيه تمثيلية أكثر. وفي السياق نفسه ، أدرج سعيد يقطين الرواية ضمن الأنواع الخبرية الفرعية. يستمد مثل هذا التحديد نسغه من الجوهرانية التاريخانية التي تقر باكتمال الأصول ونهايتها ، وتبحث عن مواصفات ومحددات الجوهر ضمن معرفة جنسية تمت وانتهت في الماضي. مع العلم أن الأنواع الفرعية قد تخضع لتحولات جوهرية ترتقي بها إلى مستوى الأنواع أو الأجناس . وهذا ما حصل بالضبط بالنسبة للرواية التي “بإمكانها كجنس أن توزع إلى “أنواع” أكثر تحديدا مثل :الرواية البطولية ، رواية المغامرة ، ونعلم أيضا أن نوعا مثل “الرواية البوليسية” قد ينقسم بدوره إلى أنواع مختلفة مثل : اللغز البوليسي ، الرواية البوليسية ذات المفاجآت ، الرواية البوليسية “الواقعية” على طريقة سيمونونSimenon  ، وبالتالي يعسر أن نضع حدا لتكاثر الأنواع : فرواية الجاسوسية لم تكن -كما أظن – متوقعة من قبل المهتمين بالشعرية في القرن الثامن عشر، وستوجد أنواع أخرى في المستقبل ، لانتصورها اليوم على الإطلاق. وباختصار يمكن لكل جنس أن يشمل عددا من الأجناس”(14).

خاتمة:

لايمكن لهذه الملاحظات المتواضعة أن تقلل من المجهودات التي بذلها سعيد يقطين لإنتاج نمذجة محكمة مستمدة من التراث ومنفتحة على التراكمات الغربية. وما يلفت النظر في هذه النمذجة أنها ثلاثية المداميك في مبادئها ومقولاتها وتجلياتها ، وفي تمفصلاتها المنهجية وأصولها الجنسية(15).وقد سعى من خلال تقعيد تلك النمذجة إلى تجنيس السيرة الشعبية ضمن الكلام العربي ، وملء خانتها الفارغة التي كانت شاغرة لأسباب ايديولوجية وأخلاقية. واعتمد على رؤية علمية في تحديد وضعها الجنسي والنصي بمنأى عن أي إسقاط ، وزاوج بين  النقد والشعرية لبناء المعنى واستنتاج بنيات حكائية مجردة على صعيد الفعل والزمن والفواعل والفضاء.وخير ما أختم به هذا المقال قولة مقتبسة من كتاب الأذكياء:

“قال أنشد رجل” أبا عثمان المازني شعرا له قال كيف تراه، قال قد عملت عملا بإخراج هذا من جوفك لأنك لو تركته لأورثك الشك”ص92.

ومثار الشك قد يسببه  كون  طروح الباحث سعيد يقطين  تصدر عن اجتهاداته وجرأته العلمية ، ولم تجار مثيلاتها الثابتة عند الشعريين الغربيين les poéticiens . وهذا ما يتطلب وقتا كافيا لاستيعابها ثم الاقتناع بها . وخاصة بالنسبة لمن يتعامل مع المفاهيم الشعرية والنقدية بصفتها حقائق علمية قد تنسحب على كثير من الظواهر النصية المتماثلة في طبيعتها ووظيفتها ، مع مراعاة ما تنماز به من فرادة وخصوصية في ثقافة معينة.

              *****************

هوامش :

1-سعيد يقطين: (أ)الكلام والخبر مقدمة للسرد العربي، المركز الثقافي العربي،ط1،1997.

                (ب) قال الراوي البنيات الحكائية في السيرة الشعبية، المركز الثقافي العربي، ط1،1997.

لقد سبق لي أن قدمت تحليلامفصلا عن الكتابين مبيناعلاقتهما بالمشروع النقدي لصاحبهما الدكتور سعيد يقطين . أنظر في هذا الصدد إلى ” نوعية السيرة الشعبية وحكائيتها ” ، مجلة كتابات معاصرة ، العدد 39  ، المجلد العاشر ( كانون الأول 1999 – كانون الثاني 2000). وفي هذه الدراسة الثانية أقدم بعض الملاحظات والانتقادات التي عنت لي متمنيا أن تثير نقاشا علميا .

2-O.Ducrot &T.Todorov, Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Seuil, 1972,p195.

3-جون ماري شايفر، ماهو الجنس الأدبي؟ ترجمة عزيز لمثاوي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، تحت إشراف الأستاذ حسن بحراوي و الدكتورسعيد بنكراد، السنة الجامعية1996،1997،ص71.

4- المرجع نفسه ص/ص 71/72.

5-O.Ducrot & T.Todorov, Dictionnaire encyclopédique… op.cit P193.

6-جيرار جنيت، مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمان أيوب، دار توبقال، ط1،1985،ص/ص74/75.

7-يندرج هذا ضمن كيفية الاستدلال على مثل هذه الفرضيات المشتقة التي تروم إثبات وجود آليات منطقية ورياضية وتقييسية إنسانية وكونية نابعة من الفطريات الإنسانية وكفاياتها التخييلية وتفاعلاتها المحيطية. أنظر في هذا الصدد إلى: محمد مفتاح، التلقي والتأويل مقاربة نسقية، المركز الثقافي العربي، ط1، 1994.

8-عبد الفتاح كليطو، الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار الطليعة، ط2،1983،ص25.

9-صفي الدين الحلي، العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق د.حسن نصار، الهيئة المصرية العامة، القاهرة،1981،ص2.

10-ألفت كمال الروبي، الموقف من القص في تراثنا النقدي، مركز البحوث العربية، [د.ت]،ص33.

11-جون ماري شايفر، ماهو الجنس الأدبي؟ م.سا،ص135.

12-أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي،كتاب الأذكياء، المكتب التجاري للطباعة والنشروالتوزيع، بيروت[د.ت].

13-رشيد يحياوي، الشعرية العربية الأنواع والأغراض، إفريقيا الشرق، ط1،1991،ص100.

14-جيرار جنيت ، مدخل لجامع النص ، م.سا ص 75.

15- يجمل سعيد يقطين كل ذلك في الشكل التالي :

المبادئ

 الثبات

التحول

التغير

        الــمقولات         التجليـــات

التجليات   الثابتة

التجليات   المتحولة

التجليات   المتغيرة

الثابتة

الأجناس:   معمارية النص

المتحولة

الأنواع:   التناص

المتغيرة

الأنماط:   المناصات.

 الكلام والخبر ، م.سا ص187.