«

»

قراءة في التجربة النقدية لسعيد يقطين

محمد مريني

علامات ، مكناس ، ص . 74 ، عدد: 22، السنة : 2004

 

ستنصب القراءة على الدراسات التي أصدرها الدكتور سعيد يقطين بين سنتي 1985 و 1997؛ دون الانفتاح على ما كتبه قبل وبعد هذه الفترة.  ولعل مبرر هذا التحديد هو أن الكتابات المشار إليها تشكل وحدة على مستوى المرجعيات والفرضيات العامة والممارسة النقدية.

نقدم في البداية ملاحظات عامة حول هذه التجربة، لننتقل بعد ذلك إلى تقديم قراءة مستقلة لكل مؤلف على حدة :

أ- على مستوى المتن الذي اشتغل به ”سعيد يقطين” يمكن التمييز بين مرحلتين: اشتغل في أولاهما بنصوص روائية، أصدر في هذا الإطار أربعة مؤلفات:

- القراءة والتجربة (حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب ) دار الثقافة،  : 1985.

- تحليل الخطاب الروائي (الزمن-السرد-التبئير)، ط1 : 1989.

- انفتاح النص الروائي (النص- السياق)ط1 : 1989.

- الرواية والتراث السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط 1 : 1992.

القاسم المشترك بين النصوص التي بها الناقد في هذه الفترة هو كونها تندرج ضمن الخطاب الروائي الجديد، كما أن هناك تكاملا في المتن بين النص المغربي في المؤلف الأول، والنص المشرقي في المؤلفات الثلاثة الأخيرة.

ب- أما في المرحلة الثانية ، فسيشتغل الناقد على السرديات العربية الكلاسيكية (السيرة الشعبية تحديدا)، أصدر في هذا الإطار :

- ذخيرة العجائب العربية (سيف بن ذي يزن)، المركز الثقافي العربي، بيروت 1994

      – الكلام والخبر (مقدمة للسرد العربي)، المركز الثقافي العربي، بيروت 1996

- قال الراوي (البنيات الحكائية في السيرة الشعبية)، المركز الثقافي العربي، ط1 : 1997

      الملاحظ على هذه الكتابات الثلاث أن فيها نوعا من التدرج من مرحلة جمع وتحقيق النص السردي، الكلاسيكي، ثم تقديم تنظير عام حول مفهوم هذا النوع من السرد،إلى مرحلة التطبيق، من خلال البحث في البنيات الحكائية للسيرة الشعبية، اعتمادا على أدوات تحليلية جديدة. إذا أخذنا بالتمييز الذي قدمه السرديون بين ”الخطاب” و ”القصة” (1) يمكن القول إن سعيد يقطين قد اهتم أكثر في المرحلة الأولى ب ”الخطاب”، أي المبنى الحكائي وأنجز في هذا الإطار أبحاثا متصلة ب : الزمن – السرد – التبئير…إلخ. أما في المرحلة الثانية فقد كان التحليل منصبا – في الجانب التطبيقي- على ”القصة”، أي ”المتن الحكائي : الأفعال والوظائف – الفواعل والعوامل- البنيات الزمانية- البنيات الفضائية…إلخ.

      هناك خاصية أساسية تميز التجربة النقدية لـ ”سعيد يقطين”، تتمثل في الترابط بين النصوص النقدية المكونة لهذه التجربة، مما يعطي للخطاب النقدي نوعا من الوحدة في الهدف الذي يريد تحقيقه، فالعمل النقدي اللاحق يخرج من صلب السابق. وتتأكد هذه الفرضية بالرجوع إلى ”مقدمات” و ”خواتم” المؤلفات التي كتبها سعيد يقطين. إذ غالبا ما ”يسترجع ” في المقدمة الخلاصات التي كان قد انتهى إليها في الكتاب السابق و ”يستشرف” في الخاتمة القضايا التي سيطرحها في الكتاب اللاحق، مما يعطي لهما طابع ”المقدمات الاسترجاعية”، و”الخواتم الاستشرافية” : هكذا يتبين من خلال مقدمة ”تحليل الخطاب الروائي” أن الكتاب توسيع وتحيين للأسئلة التي كان قد طرحها في كتابه السابق ”القراءة والتجربة” : ”كيف يمكننا تحليل الرواية العربية بدون تصور نظري للرواية؟ ما هو موضوع هذه النظرية؟ ما هي أدواتها وأسئلتها؟ كيف يمكننا إقامتها وتطويرها؟” (2).

وقد ختم الكتاب المشار إليه بفقرة تطرح الأسئلة والقضايا التي سيتناولها في الكتاب اللاحق ‘انفتاح النص الروائي”. يقول في آخر فقرة من خاتمة الكتاب : ”علينا الآن أن نعاين إلى أي حد يتطابق هذا الخطاب كمستوى نحوي مع النص كمستوى دلالي في علاقته بالبنية النصية والاجتماعية التي أنتج فيها، أي أننا نحاول الانتقال من ”البنيوي” إلى ”الوظيفي” أو الدلالي، من السرديات إلى  السوسيو سرديات… كما نقدم اقتراحا لذلك في ”انفتاح النص الروائي : النص والسياق”(3).

أما في مقدمة كتابه ”انفتاح النص الروائي” فقد ورد ما يلي :

“نعتبر هذا البحث حول ”انفتاح النص الروائي” امتدادا وتوسيعا لــ ”تحليل الخطاب الروائي”. وبذلك يندرج ضمن  ما نسميه ب ”السوسيوسرديات” كتخصص يسعى إلى توسيع السرديات البنيوية”(4). وقد ختم كتابه ”انفتاح النص الروائي” بإشارته إلى ضرورة ”إغناء وتطوير وعينا وقراءتنا للذات وللنصوص التي تنتج، أي بكلمة موجزة إغناء المنهج الذي به نحلل والنص الذي نقرأ. ولا يمكن أن يتأتى إلا عبر ”التفاعل” الإيجابي القائم على الحوار الهادف والبناء”(5). وأحسب أن الانفتاح على التراث السردي العربي، وقراءته اعتمادا على أدوات تحليلية جديدة يدخل ضمن هذا الهدف العام الذي عبر عنه ب ”تطور وعينا وقراءتنا للذات” و ”التفاعل الإيجابي القائم على الحوار الهادف والبناء”. هذا ما يفسر العنوان الفرعي لكتابه اللاحق “الرواية والتراث السردي : من أجل وعي جديد بالتراث”.

على المستوى المنهجي، يبدو هذا الكتاب أيضا امتدادا للكتاب السابق. يقول : ”يأتي هذا البحث امتدادا وتوسيعا للمبحث الموسوم ب ”التفاعل النصي” في الكتاب المذكور أعلاه [انفتاح النص الروائي]. وهنا أسعى إلى معالجة مستوى آخر من مستويات التفاعل النصي”. (6)

هكذا، يمكن تتبع ظاهرة الترابط بين المقدمات والخواتم في باقي كتابات سعيد يقطين التي اشتغل فيها على السرديات الكلاسيكية، بدءا ب ”ذخيرة العجائب العربية’(7)، ومرورا ب ”الكلام والخبر” (8)وانتهاء ب”قال الراوي”، الذي ختمه بقوله : ”ولعل في معالجة السيرة الشعبية من جهة الخطاب والنص ، ما يعمق البعد الحكائي الذي ركزنا عليه اهتمامنا [...]وأتمنى أن تتاح لي فرصة مواصلة ا لبحث في هذه الجوانب، استكمالا للأسئلة النظرية التي تفرض نفسها على ….” (9)

فهل سيؤكد سعيد يقطين هذا التقليد المنهجي الذي سار عليه في تجربته النقدية من خلال الكتابة في موضوع ”الخطاب” في السيرة الشعبية، بعد أن كتب عن ”القصة” أو ”البنيات الحكائية في السيرة الشعبية” في كتابه الأخير؟

بعد هذا التقديم العام للخطاب النقدي لسعيد  يقطين سنفرد لكل مؤلف من مؤلفاته قراءة خاصة :

1.. يحدد الأستاذ سعيد يقطين مظاهر الجدة في كتابه الأول ”القراءة والتجربة”، في جانبين: يتمثل –أولهما- في ”البحث في مكونات الخطاب الروائي البنيوية”(10). وثانيهما في ”استعمال أدوات ومفاهيم جديدة تمتح بالأخص من السرديات narratologie التي يعمل الباحثون في ”البويطيقا” على بلورتها وتدقيقها لتصبح اتجاها متميزا في تحليل الخطاب السردي بصفة عامة”(11). ما عدا هاتين الإشارتين لا يذهب الناقد بعيدا في توضيح الجوانب المنهجية في الدراسة، مع العلم أن الممارسة النقدية البنيوية قدمت من خلال أطروحات متعددة : بعضها يستمد أسسه من علم المنطق، وبعضها من اللسانيات …إلخ. هناك إشارة إلى ثلاثة مفاهيم إجرائية، ينطلق منها الناقد لإبراز المشترك بين النصوص الروائية المدروسة (12) هذه  المفاهيم الثلاثة هي : الانزياح السردي – الميثاق السردي -الخلفية النصية.

الملاحظة الأساسية التي يمكن تسجيلها هنا هي أن هذه المفاهيم لا تشكل محور الممارسة البنيوية السردية؛ فبالنسبة لتقنية الانزياح يذكر سعيد يقطين نفسه أنه سيستعملها ”كما استعملها جان كوهين وغيره في تحليل الخطاب الشعري” (13). وبالفعل، فإن التنظيرات التي قدمت حول نظرية الانزياح : إنما اشتغلت على النص الشعري أساسا(14). أما ”الميثاق السردي” فإنه يثير القضايا المتصلة بالقارئ والقراءة، ومن المعلوم أن هذه القضايا قد أصبحت تشكل مركز اهتمام ”نظريات القراءة”(15). ويبقى المفهوم الأخير – المتمثل في الخلفية النصية- غير بعيد عن الجوانب المشار إليها سابقا، لأنه سيعنى – من خلاله – ”بالبحث في محددات القراءات واختلافاتها”(16).

وإذ كانت هذه القضايا لا تدخل في صلب الممارسة النقدية البنيوية فإنها كانت على حساب قضايا أخرى من صميم النقد السردي، سواء على مستوى الخطاب، مثل : الزمن والسرد والرؤية السردية، أم على مستوى البنيات الحكائية، مثل : الوظائف والعوامل و الفضاء…إلخ.

يشتغل سعيد يقطين في كتابه هذا على أربع روايات مغربية هي : ”الأبله والمنسية وياسمين” للميلودي شغموم،  ”وردة للوقت المغربي” لأحمد المديني، ”رحيل البحر’ لمحمد عز الدين التازي و ”بدر زمانه ” لمبارك ربيع. ما يجمع بين هذه الروايات – في رأيه- هو أنها تؤشر على تجربة جديدة في الخطاب الروائي المغربي في السبعينات. هذا مع الإشارة إلى أن الناقد يعترف بوجود نصوص روائية أخرى تحمل طابع الجدة لم يدرجها ضمن متن الدراسة.(17)

يقوم الناقد بتحليل كل نص من النصوص الأربعة على حدة، وذلك اعتمادا على التصور النظري الذي قدمنا بعض عناصره سابقا، لينتهي بعد ذلك إلى استخلاص أهم خصائص هذه التجربة الجديدة، وتتمثل في:

-  تكسير عمودية السرد؛ ذلك أن للأحداث في هذه الروايات منطقها الخاص الذي لا يخضع للمنطق الواقعي، كما تعودناه في الخطاب الروائي التقليدي(18).

- تداخل الخطابات، بحيث تنفتح لغة هذه النصوص الروائية على وحدات أسلوبية مختلفة (سياسية، تاريخية، دينية ، مسرحية، شعرية…إلخ)(19).

- البعد العجائبي، وذلك من خلال تقديم بعض الأحداث التي تخرج عن ”المعتاد الحكائي”، بسبب طبعها الغريب والعجيب(20).

2. سيواصل سعيد يقطين مشروعه النقدي من خلال كتابه الثاني ”تحليل الخطاب الروائي”، موضوع الكتاب – كما هو واضح من العنوان- ليس هو الرواية باعتبارها مجموعة من الأحداث، بل هو الخطاب أي ”الطريقة التي تقدم بها المادة الحكائية في الرواية”(21).

ومن الناحية المنهجية يعلن الناقد – في مقدمة الكتاب-  أنه ينطلق من ”السردية البنيوية كما تتجسد من خلال الاتجاه البويطيقي الذي يعمل الباحثون على تطويره وبلورته بشكل دائم ومستمر”(22). وعبر تتبعه للعديد من وجهات النظر داخل الاتجاه البنيوي، يقوم الناقد بتكوين تصوره الخاص، يمزج فيه بين ”عمل البويطيقي وهو يبحث عن الكليات التجريدية، والناقد وهو يدقق كلياته ويبلورها من خلا ل تجربة محددة”(23).

يشتغل الناقد على خمسة نصوص روائية عربية، هي كما يلي : الزيني بركات  لجمال الغيطاني، الوقائع الغريبة لإميل حبيبي، أنت منذ اليوم  لتيسير سبول، الزمن الموحش لحيدر حيدر و عودة الطائر إلى البحر لحليم بركات.

وقد استهل الدراسة بمدخل عام عن مفهوم الخطاب ومكوناته الثلاثة : الزمن و الصيغة والرؤية السردية. وقد خص كل مكون بمقدمة تتبع فيها أهم الآراء والتنظيرات البنيوية المختلفة التي قدمت حوله، بحيث يمكن اعتبار الكتاب -بشكل عام- عملا تنظيريا أكثر منه محاولة للتطبيق.

أما على مستوى الممارسة النقدية فقد كان الناقد يمارس التحليل – في تناوله لكل مكون من المكونات الثلاثة- من خلال عمليتين متكاملتين :

- في الأولى، يقوم بدراسة جزئية لرواية الزيني بركات لجمال الغيطاني (خصوصية زمن الخطاب في الزيني بركات(24)- خصوصية الصيغة في الزيني بركات(25)- خصوصية الرؤية في الزيني بركات(26).

- في الثانية ، يقدم دراسة كلية للنصوص الأربعة (الوقائع الغريبة – أنت منذ اليوم – الزمن الموحش- عودة الطائر إلى البحر) . حيث يحاول استخلاص البنيات المشتركة بين

 هذه النصوص على صعيد كل من الزمن(27)والسرد(28)والتبئير(29).

و في  ما يلي صورة مركزة لمضامين الفصول الثلاثة للكتاب  :

- خصص الناقد الفصل الأول لـ ”زمن الخطاب في الرواية”(30)وقد استهله بمقدمة نظرية طرح من خلالها بعض القضايا التي تثيرها مسألة الزمن. ( اللسانيات والزمن(31)- الروائيون الجدد والزمن(32)- لسانيات الخطاب والزمن(33)– إشكالية الزمن في العربية(34).

بعد ذلك قام الناقد بتحليل مقولة الزمن في رواية ”الزيني بركات” لـ ”جمال الغيطاني”(35). وذلك من خلال تحديد وتحليل التمفصلات الزمنية الكبرى كما يقدمها زمن الخطاب في علاقته بزمن القصة. ثم عمد –بعد ذلك – إلى تحليل وحدات الخطاب العشر، محاولا الكشف عن كيفية اشتغال زمن الخطاب على زمن القصة. كما يقوم الناقد بمقارنة بين ”زمن الخطاب الروائي” في ”الزيني بركات” و زمن الخطاب التاريخي من خلال مقطع من كتاب تاريخي هو ”بدائع الزهور في وقائع الدهور” لـ ”محمد بن إياس”(36)، مما أمكنه من إبراز خصوصية زمن خطاب الرواية. ينتقل الناقد إلى إبراز خصوصية زمن الخطاب من خلال أربع روايات ظهرت في الحقبة نفسها التي ظهرت فيها الزيني بركات(37).

الفصل الثاني  من الكتاب خصصه لـ “صيغة الخطاب في الرواية”(38). وقد عمد في البداية إلى تقديم الجوانب النظرية لهذه التقنية السردية(39)، مع العمل على مناقشة الآراء المقدمة، من أجل استخلاص وتوضيح تصوره الخاص للمفهوم. ثم قام الناقد بمعاينة ذلك بجلاء من خلال قراءة الخطاب الروائي الذي سبق أن قسمه إلى عشر وحدات –(الزيني بركات)، كي يتسنى له متابعة مختلف أشكال وتنويعات الصيغة في الخطاب، مع ربطها بين الفينة والأخرى بباقي المكونات الأخرى التي ترتبط بها ارتباطا وثيقا، قصد الإمساك بمقومات الخطاب في تكاملها(40). وعند الانتهاء من تحليل رواية ”الزيني بركات” على هذا المستوى، قام الناقد بمقارنة بين الخطاب الروائي والخطاب التاريخي(41). لتتاح له –بعد ذلك- إمكانية مقاربة المتن الروائي العربي الذي يحلله في البحث، بهذه الطريقة يكون الناقد فكرة متكاملة عن “صيغة” الخطاب الروائي العربي المحلل جزئيا وكليا(42).

الفصل الثالث من الدراسة، كان تحت عنوان ”الرؤية السردية في الخطاب الروائي”(43)، المبحث الأول- في الفصل- كان عبارة عن “تقديم نظري” أما المبحث الثاني فقد حلل فيه الرؤية السردية في ‘الزيني بركات”، من خلال ما أسماه ”التمفصلات السردية الكبرى”(44). وقد قام بهذا التحليل على مرحلتين، في الأولى قدم نظرة إجمالية عما يسميه ”تمفصلات الرؤية السردية الكبرى” في الزيني بركات. في المرحلة الثانية يقوم بتحليل كل وحدة على حدة. وغالبا ما كان يذيل تحليل كل وحدة بمجموعة من الملاحظات.

سيقوم الناقد –بعد ذلك- بتقديم تركيب يكشف من خلاله عن ”خصوصية الرؤية السردية في الزيني بركات”(45). ثم حاول معاينة الرؤية السردية من خلال المقارنة بين الخطاب الروائي في ”الزيني بركات” والخطاب التاريخي من خلال مقطع من كتاب ”بدائع الزهور في وقائع الدهور” لابن إياس(46). لينتهي – بعد ذلك-  إلى استخلاص ”الرؤية السردية في الخطاب الروائي العربي”(47)، اعتمادا على المتن الذي يشتغل عليه.

الملاحظة الأساسية التي يمكن تسجيلها حول الكتاب هي غياب التحليل الشمولي للظواهر المدروسة؛ إننا لا نجد سوى بنى جزئية توصل إليها الناقد عند عرض كل مكون من المكونات الثلاثة (الزمن- الصيغة-الرؤية) مع تطبيقات سريعة على النصوص المشكلة للمتن. وهذا ما جعل الاستنتاجات التي خلص إليها الناقد – في دراسته للمكونات الثلاثة- مرتبطة بجزئيات تنفصل الواحدة منها عن الأخرى. مع أن الجهد التحليلي في الممارسة النقدية البنيوية ينبغي أن ينصرف إلى صياغة العام والمشترك، وليس إلى الجزئي. ويبدو أن التحليل، الذي قام به الناقد يكتسي طابعا تنظيريا بالأساس. وهنا لا بأس من الإشارة إلى أن أي ناقد مدعو – قبل مباشرته عملية التحليل- إلى تقديم الجوانب النظرية لممارسته النقدية، وإنه لأمر شديد الأهمية أن يستهل الناقد سعيد يقطين فصول الدراسة بمباحث يكشف من خلالها على الجهاز المفاهيمي النظري الذي سيشتغل عليه، لكن الملاحظ أن الناقد تجاوز نطاق التقديم النظري المشار إليه إلى تكييف الممارسة النقدية نفسها حتى تنسجم مع المنطلقات النظرية المقدمة. وكأن المعادلة التي تحكم العلاقة بين النص والنظرية النقدية أصبحت مقلوبة : بحيث يبدو الناقد منقادا لخدمة الأفكار النظرية بواسطة النص، لا لخدمة التحليل بواسطة الأفكار.

هكذا يقدم الناقد أحيانا معطيات نظرية كثيرة لكنه يصرح – بعد ذلك- أنه لن يوظفها في التحليل. يقول –مثلا- بعد التقديم النظري لمقولة ”الزمن” : ”إن التمهيد النظري الذي صدرنا به هذه الدراسة سنستقل عنه ظاهريا وجزئيا. في تعاطينا وتحليل الزمن [كذا]، وإن كنا سنسترشد بجوانبه الأساسية في الكشف عن ”الزمن في الرواية”(48). أتساءل هنا  : ما الداعي إلى تقديم هذه الجوانب النظرية إذا كان الناقد “سيستقل” عنها في ما بعد؟ ! إن الممارسة النقدية كانت محكومة أساسا بهواجس تنظيرية، لأن الناقد يفترض أن الكتاب يقدم مادة جديدة للقارئ والعربي. وهذا ما عبر عنه بقوله : ”هذه التربة لم تطأها أقدام الباحث العربي في السرديات أو في نقد الرواية لأسباب بنيوية موضوعية وذاتية تتعلق بوضعية البحث الأدبي عموما في ثقافتنا”(49). مع ذلك، قد لا يبدو هذا الافتراض صحيحا، لأن كتاب ”تحليل الخطاب الروائي” جاء متأخرا بالقياس إلى دراسات بنيوية أخرى مثلت مرحلة الريادة(50).

أمر آخر أحرص على إثارته هنا في تقويم الكتاب هو التساؤل عن مبررات اختيار الوحدات الثلاث (الزمن – الصيغة- الرؤية) دون غيرها من مكونات الخطاب السردي. يقول الناقد في تقديمه لتصوره حول ”تحليل الخطاب الروائي العربي” : ”وتحديد الخطاب الروائي يتم من خلال مظهره التركيبي أو النحوي. لذلك أراني أقصر مكوناته على هذه العناصر : الزمن – الصيغة – الرؤية والصوت[...] هذه هي المكونات التي يركز عليها السرديون بصفة عامة”(51).

إذن ، لقد اختار هذه المكونات السردية الثلاثة لأنها هي التي ”يركز عليها السرديون” على حد تعبيره. لكن –مع ذلك- أعتقد أن هذا المبرر غير كاف لسببين :

أولهما، أن الناقد سيعود – في مكان آخر من الكتاب- إلى الحديث عن قلة الكتابات النقدية حول مقولتي ”الزمن” و ”الصيغة” بوجه خاص : ”في عرضنا للآراء والتصورات التي مهدنا بها للفصلين الأول والثاني حول الزمن والصيغة في الخطاب الروائي، عانينا بشكل رئيسي من قلة هذه التصورات وندرتهما”(52). إذا كان السرديون يركزون فعلا على هذه المقولات الثلاث- كما أشار الناقد إلى ذلك سابقا- فلماذا الحديث عن قلة الكتابات النقدية الآن؟ !

ثانيا، هناك مكونات حكائية أثارت من النقاش- في النقد السردي- ما لم يثره أي مكون حكائي آخر، ومع ذلك لم يدرجها الناقد ضمن التحليل. أشير على سبيل المثال إلى المقاربات المختلفة التي قدمت حول مقولة ”الشخصية” : من الوظائف(53) إلى العوامل(54)إلى الأفعال(55)…إلخ.

3. .يعتبر ”سعيد يقطين” كتابه ”انفتاح النص الروائي” امتدادا وتوسيعا لـ ”تحليل الخطاب الروائي”. كما يصرح في مقدمة الكتاب أنه يتعامل مع الاتجاهات التوسيعية بكثير من المرونة، خاصة سوسيولوجيا النص الأدبي، التي تطرح قضايا مهمة حول ”النص في علاقته بالقارئ والسياق الاجتماعي الذي ظهر فيه”(56)

يستهل الناقد دراسته بمدخل يحدد من خلاله مفهوم النص، وبعد استعراض آراء مجموعة من الباحثين (شلوميت- فاولر- ليتش- فان ديك-زيما- كريستيفا) ينتهي إلى تقديم تصوره الخاص للنص. يقول : ”النص بنية دلالية تنتجها ذات (فردية أو جماعية)، ضمن بنية نصية منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة”(57). وقد قام بتحليل مكونات هذا التعريف من خلال ما يلي :

أ – البناء النصي : النص بنية دلالية تنتجها ذات التفاعل النصي : ضمن بنية نصية منتجة.

          ب- البنيات السوسيو-نصية : في إطار بنيات ثقافية محددة(58).

بهذا التصور يباشر الناقد عملية ا لانتقال من السرديات البنيوية – كما مارسها في كتابه تحليل الخطاب الروائي- إلى ”السوسيوسرديات-. أو بتعبير آخر سيتجاوز الناقد الحد السكوني الذي تقف عنده السرديات إلى مقاربة ”دينامية” للنص. سيشتغل الناقد على نفس النصوص الروائية التي اعتمدها في الكتاب السابق، والمتمثلة في : الزيني بركات للغيطاني، و الزمن الموحش لحيدر حيدر، و الوقائع الغريبة لإميل حبيبي، وعودة الطائر إلى البحر لحليم بركات.

وقد خصص الناقد الفصل الأول من الكتاب لما سماه ”بناء النص”. وهو ينطلق من بعض التصنيفات التي سبق أن طرحها في كتاب ”تحليل الخطاب الروائي”. وتتصل أساسا بالتمييز بين زمن القصة، وزمن الخطاب. والجدير بالذكر أن هذا النوع من التمييز قد طرح بصيغ عدة في الأبحاث الشكلانية والبنيوية، لكن الجديد الذي طرحه ”سعيد يقطين” هنا يتعلق ب ”زمن النص” ويقصد به :

أولا، ”زمن الكتابة” أي الزمن الذي يتجسد من خلال الكتابة التي يقوم بها الكاتب في لحظة زمنية مختلفة عن زمن القصة أو الخطاب.

ثانيا، ”زمن القراءة” أي زمن تلقي النص من لدن القارئ، في لحظة زمنية مختلفة عن باقي الأزمنة(59). بهذه الإضافة يحقق الناقد –كما أعلن عن ذلك في المقدمة النظرية- الانتقال من السكوني إلى الدينامي، من النص إلى السياق، ومن البنيوي إلى الوظيفي.

إن العلاقة بين بعدي زمن النص (زمن الكتابة وزمن النص) علاقة بناء. ومن خلال عملية البناء هاته يتم ”إنتاج” الدلالة. تتم عملية البناء وفق هذا التصور من خلال مستويين داخلي وخارجي.

- على المستوى الداخلي، يقف الناقد عند بناء النص داخليا، من خلال تعالق زمن القصة   بزمن الخطاب.

- على المستوى الخارجي : يتم بناء النص من خلال عملية التلقي.

إن النص لا يحمل دلالته في ذاته، إلا في ارتباط بالموضوع الذي يتلقاه : فكما يقوم الكاتب بإنتاج دلالة النص من خلال بنائه، فكذلك يفتح القارئ هذه الدلالات عن طريق إعادة بنائه. وإذا كان زمن النص محدودا بزمن الكتابة، فإن زمنه في القراءة ينفتح على زمنية غير محددة. وبذلك تتعدد القراءات بتعدد أزمنة القراءة ونوعيات القراء وخلفياتهم الفكرية والإيديولويجة. ينطلق الناقد من التصنيف الذي قدمه ”ميشيل أريفي” M.Arrivé عن انفتاح النص أو انغلاقه من خلال علاقة القصة بالخطاب، لينتهي إلى تقديم أربع قراءات على هذا النحو :

- النص منفتح والقراءة المنفتحة.

- النص منفتح والقراءة منغلقة .

- النص منغلق والقراءة منغلقة.

- النص منغلق والقراءة منفتحة(60).

وبما أن النصوص التي يشتغل عليها الناقد، تندرج ضمن ”الرواية العربية الجديدة”، فقد وقف عند الصورتين الأولى والثانية، فقدم نماذج من ”القراءات المنغلقة” للروايات المدروسة : أحمد محمد عطية-شكري عزيز الماضي(61). كما قدم نماذج من ”القراءات المنفتحة” لهذه الروايات، تمثلها : سامية محرز، و رضوى عاشور، وخالدة سعيد، و محمد برادة(62).

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد خصصه لما سماه ”التفاعل النصي”، وهو يستعمل هذا المصطلح مرادفا لما شاع تحت إسم التناص Intertextualité أو ”المتعاليات النصية” Transtextualité. وهو يفضل استعمال المصطلح الأول لأنه أعم من المصطلحين الثاني والثالث. يعرض الناقد للتنظيرات التي قدمت حول هذا المفهوم (كريستيفا- مارك أنجينو- لوران جيني- بيتر ديسبوفسكي)، ليصل في الأخير إلى تقديم تصوره الخاص عن هذا المفهوم، يقول :

”بما أن النص ينتج ضمن بنية نصية سابقة فهو يتعالق بها، ويتفاعل معها تحويلا أو تضمينا أو خرقا، وبمختلف الأشكال التي تتم بها هذه التفاعلات”(63). يفصل الناقد هذا التحديد ويدرسه من حيث : -  أقسامه : النص والمتفاعل النصي، و أنواعه : المناص والتناص والميتانص، ومستوياته : العام والخاص.

يحاول، من خلال قراءته للنصوص الروائية المشكلة للمتن، تقديم ما يسميه “مشروع متكامل لبحث التفاعل النصي” قادر على أن يجيب على أسئلتنا النظرية سواء كانت متصلة بتاريخ الأدب والأنواع الأدبية أو النقد السوسيونصي”(64).

أما الفصل الأخير من الكتاب فقد قدمه تحت عنوان ”البنيات السوسيونصية”. يمكن تأطير ما قدمه هنا ضمن ما يعرف ب ”سوسيولوجيا النص الأدبي”، بالأخص مع ”بيير زيما” الذي استفاد منه الناقد كثيرا في تكوين تصوره النظري، في موضوع علاقة النص بالمجتمع في إطار علم اجتماع النص، وإن كان الناقد يتعامل مع مقترحاته بنوع من المرونة. ثم ينتقل الناقد – بعد ذلك- إلى تحليل البنية الاجتماعية داخل بنية النص، ومنها إلى وضع النص في إطار البنية السوسيونصية. ويختم بالحديث عن الرؤيات والأصوات في أبعادها الدلالية مع ربط دلالات النص العامة بما سبق أن رأيناه في حديثنا عن ”البناء النصي” و ”التفاعل النصي” في علاقته بالقارئ.

أشار ”يقطين” في مواضع عدة إلى أن كتاب ”انفتاح النص الروائي” توسيع لكتاب ”تحليل الخطاب الروائي”. وأشير هنا إلى أن الملاحظات التي ذكرتها في تقويم الكتاب السابق تتأكد هنا أيضا؛ من حيث هيمنة الخطاب التنظيري، ثم الطابع التجزيئي للممارسة النقدية، في غياب الصياغات الشمولية للبنيات التي يتم تحليلها…

لكن الفعالية المنهجية للخطاب النقدي الذي قدمه الناقد تكمن في تكامليته، وفي تركيبه بين ”السرديات البنيوية” و ”علم اجتماع النص” من جهة، وبين الحساسيات المنهجية المختلفة داخل “علم اجتماع النص” من جهة أخرى (ب.زيما-ج.كريستيفا- م.باختين…..إلخ). وقد أتاحت هذه المنهجية الانتقال من الشفرة اللسانية إلى السميوطيقية أو الإيديولوجية بوجه عام- وذلك عن طريق تجاوز”الانغلاق”، وتأكيد ”انفتاح النص الروائي” على مقاربات منهجية متنوعة، منها ما يتصل بالنص (السرديات البنيوية بشكل عام)، ومنها ما يتصل بالسياق (علم اجتماع النص-سيكولوجية النص- نظريات القراءة). ومن هنا نفهم طبيعة العنوان  الفرعي الذي ذيل به العنوان الأساس ”النص-السياق”.

لكن مع هذا الانفتاح على مقاربات منهجية مختلفة، كان الناقد حريصا على تقديم تصوره الخاص عن القضايا التي تعرض لها. وقد عبر عن هذا التوجه – بصورة مجملة- بقوله في نهاية المدخل النظري للكتاب : ”سأمهد لكل مكون بمقدمة نظرية أتبين فيها آليات المكون، وطرائق تصورنا إياها”(65)

كما عبر عنه –بصورة جزئية- في أماكن متفرقة من الكتاب بعبارات من قبيل ”نقدم تصورنا لـ…”أما عن تصورنا الخاص للموضوع ……”. و ”انطلاقا من التصور الذي نقدمه …إلخ”(66). هذا  ”التصور الخاص” يكون في الغالب – كما أشرنا إلى ذلك- تركيبا للعناصر المنهجية المختلفة التي يعرضها الناقد. أتساءل هنا : ما هي مبررات هذا التركيب؟

يبدو أن مثل هذا العمل هو الإضافة النوعية التي يمكن أن يقدمها أي ناقد يتعامل مع المناهج الغربية . إن الناقد العربي – كما يقول أحد الباحثين- “لا يستطيع أن يؤكد ذاته إلا من خلال منظور تركيبي جديد يراه ضروريا لتطويع النقد الغربي من أجل دراسة الأعمال الإبداعية العربية . إن التمثل والتركيب هما قدر الناقد العربي – على الأقل في الوقت الراهن- وعليه أن يظهر من خلالهما إسهام العبقرية العربية في مسيرة النقد المعاصر (العالمي)”(67).

بالإضافة إلى هذا التفسير، يمكن الإشارة إلى مبرر آخر، أشار إليه الناقد بمثل قوله :

“نستلهم كما قلنا تصور “بيير زيما”، ولكننا لا نجاريه في الكثير من الجزئيات والتفاصيل التي يقيمها في مقترحاته حول سوسيولوجيا النص الأدبي، لسبب بسيط هو عدم رغبتنا في الانطلاق من نتائج تصوره التي بلورها من خلال تحليله لنصوص لأمثال بروست و موزيل و كافكا وغيرهم”(68).

إن عدم التقيد بتصور “بيير زيما” راجع أساسا إلى شعور الناقد باختلاف الكتابة الروائية العربية عن الكتابة الروائية الغربية، التي أبدع في إطارها المنهج. لقد سبق لبعض النقاد المغاربة أن عبروا عن موقف مشابه . يقول الدكتور حميد لحمداني : “إن أي ممارسة نقدية جادة – وأقول جادة- في العالم العربي لا بد أن تراعي خصوصيات الكتابة الإبداعية العربية، لذلك يجد الناقد العربي نفسه دوما أمام قدر واحد، هو تركيب العناصر النقدية الغربية قياسا على [كذا] مستوى وطبيعة إدراكه للعالم وقياسا على تصوره لطبيعة الإبداع ووظيفته”(69).

الملاحظة الأساسية التي يمكن تقديمها حول كتاب سعيد يقطين ”انفتاح النص الروائي” هي كما يلي : لقد قام الناقد بتوسيع السرديات من إطارها البنيوي إلى الوظيفي ومن السكوني إلى الدينامي، معتمدا في ذلك على عمليتين : تتمثل أولاهما في رصد علاقات النص بنصوص سابقة أو معاصرة له (التفاعل النصي أو التناص). أما ثانيتهما فتتمثل في وضع النص في سياق البنية الثقافية والاجتماعية التي ظهرت  فيها (البنيات السوسيونصية).

وقد اعتمد الناقد في المستوى الأول (التفاعل النصي) على بعض الأبحاث التي أنجزت في حقل الشعرية (جيرار جينيت وكتاباته في مجال التناص أو ”المتعاليات النصية” كما يسميها).  أما فيما يتعلق بالبحث عن البنيات السوسيونصية فقد اعتمد على نظريات علم اجتماع النص (باختين-كريستيفا-زيما).  السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كما يلي : هل كان من الضروري – لتحقيق عملية الانتقال من النص إلى السياق – الجمع بين ”نظرية التناص” و”علم اجتماع النص”؟ !  ألا نجد في علم اجتماع النص وحده من خلال أعمال أعلامه الذين اعتمد عليهم في الدراسة  ما يسمح بدراسة النص- في الوقت نفسه- في علاقته ببنيات نصية سابقة، وأيضا في علاقته بالبنيات الثقافية والاجتماعية؟ ! .

لقد استثمر الناقد نظريات ”علم اجتماع النص” في الفصل الأخير من الكتاب، في سياق تحديد ”البنيات الاجتماعية” داخل النص. لكن بالإضافة إلى ذلك كان في الإمكان توظيف إنجازات ”علم اجتماع النص” في سياق البحث عن علاقة النص بنصوص أخرى سابقة. لتوضيح هذه الفكرة بصورة أدق أشير إلى أن ”نظرية التناص” تقدم في النقد المعاصر من خلال ثلاثة مداخل أساسية :

- مدخل ”الشعرية”.

- مدخل علم اجتماع النص .

- يمكن إضافة مدخل آخر يتمثل في نظرية التلقي، التي تنظر إلى النص – على  حد تعبير إيزر- بوصفه ”عملية انتقاء من  الأنساق الأدبية والاجتماعية والتاريخية والثقافية”(70).

المدخل الأول قد لا يسعف في تحقيق عملية الانتقال من النص إلى السياق على الوجه المطلوب، وهذا ما يتبين من كتابات ”جيرار جينيت” نفسه، التي خصصها لـ ”المتعاليات النصية” Transtextualité بدءا بكتابه ”جامع النص” Architexte (1979)، ثم ”أطراس” Palimpssestes (1982) إلى “عتبات” Seuils (1988). لقد كان ”جينيت” معنيا- في هذه الكتابات التي خصصها لموضوع التناص –بالبحث عن القوانين العامة للنصوص الأدبية، وبالعلاقات الظاهرة والخفية بينها، لكن في الحدود النصية لهذه الأعمال. في حين سنجد أن الأبحاث التي أنجزت ضمن ”علم اجتماع النص” معنية بالبحث – إلى جانب البنيات السوسيونصية- عن علاقات النص مع نصوص أخرى سابقة:

فقد أسهب ”باختين” في الحديث عن ظاهرة تقاطع النصوص واللغات والملفوظات داخل النص الروائي، وذلك في إطار ما سماه مفهوم ”الحوارية” Dialogisme ، بالإضافة إلى مفاهيم أخرى مثل ”تعددية الأصوات” Polyphonie و”تعددية اللغات” Plurilinguisme.

كما توسعت ”كريستيفا” في مفهوم ”التناص” سواء من خلال الأبحاث التي كانت تنشرها بمجلة ”تيل كل” Tel quel،أو من خلال مؤلفاتها، مثل “نص الرواية : مقاربة سيميولوجية لبنية خطابية تحويلية”(71)، وفيه تدعو إلى دراسة النص الروائي باعتباره تناصا، أي مجالا لتقاطع نصوص متعددة من المجتمع والتاريخ، وهو ما تسميه ب ـ ‘الإيديولوجيم”(72)….إلخ.

كما أن ”بيير زيما” ينظر إلى النص باعتباره نسقا لغويا تتقاطع فيه المصالح الاجتماعية والطبقية المختلفة. لذلك فإنه يمكن تحديد هذه المظاهر من خلال تحليل الخصائص اللغوية والخطابية التي تتجسد من خلال  الطابع ”التناصي”(73)، وهذا ما يسميه أحيانا ب تحليل ”سوسيولساني وتناصي” (74). هذا ما قام به – على سبيل المثال- في تحليله لرواية ”رجل بدون صفات” لـ “موزيل” Musil، حيث قرأها – من خلال مدخل التناص- على أنها محاولة لتجسيد خطابات إيديولوجية مختلفة معظمها يتم نقده وتقديمه بشكل ساخر.

 

T. Todorov, les catégories du récit Littéraire, in communication 8, éd seuil19811- انظر على سبيل المثال

2- سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص : 7 – 3 – نفسه، ص : 387 – 4- سعيد يقطين،  انفتاح النص الروائي، ص : 5

5- نفسه، ص : 155:  – 6-  سيعد يقطين، الرواية والتراث السردي، ص : 6 – 7-  سعيد يقطين ، ذخيرة العجائب العربية، ص : 11

8-  سعيد يقطين، الكلام والخبر، ص : 7 و 227 – 9-  سعيد يقطين، قال الراوي : 232 – 10-  سعيد يقطين، القراءة والتجربة، ص : 9

11-  نفسه، ص : 9. – 12-  نفسه ، ص : 11 -  13 -  13-  نفسه

14- – يمكن الرجوع في هذا الإطار إلى ما قدمه جون كوهن في كتابيه :  Structure de langage poétique, Paris Flammarion

- Le Haut Langage . Théorie dela Poéticité, Paris, Flammarion

15- لكن هذا لا يعني إنكار الدور الذي قام به النقاد البنيويون في إثارة بعض القضايا المتصلة بالقراءة : مثل التمييز بين القارئ الحقيقي (الواقعي) والقارئ المجرد. العلاقة بين ا لمؤلف والقارئ (الواقعي والمجرد)…إلخ. أنظر –على سبيل المثال- لا الحصر  :

J-P. Goldenstein , pour lire le roman. Duculot, éd 5 : 1988, p : 12

16- سعيد يقطين، القراءة والتجربة ، ص : 11 – 17- نفسه ، ص : 10  – 18-   نفسه، ص : 293- 294 – 19- نفسه، ص : 295

20-  نفسه، ص : 297  – 21- سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص : 7 – 22- نفسه، ص : 7

23- نفسه ، ص : 7-8  – 24-  نفسه، ص : 136 – 25-  نفسه، ص : 252 – 26- نفسه، ص : 358 -27-  نفسه، ص : 148

28- نفسه، ص :  269 – 29- تنفسه، ص : 372 – 30- نفسه،  ص : 11 – 31- نفسه، ص : 63 – 32-نفسه، ص : 67

33-  نفسه، ص : 69 – 34–نفسه، ص : 83 – 35-  نفسه، ص : 136 – 36-  نفسه ، ص :  - 37-نفسه، ص : 146

38-نفسه، ص : 167 – 39-نفسه، ص : 169 – 40- نفسه، ص : 252 – 41-  نفسه، ص : 262 – 42- نفسه، ص : 269

43- نفسه، ص : 281 – 44- نفسه، ص : 214 – 45- نفسه، ص : 358 – 45- نفسه، ص : 358 – 46-   نفسه، ص : 368

47- نفسه، ص : 372 48- نفسه، ص : 89 – 49- نفسه، ص : 171

50-للاطلاع  على الحضور التاريخي للمنهج البنيوي في النقد العربي يمكن الرجوع إلى كتاب : توفيق الزيدي، أثر اللسنيات في النقد العربي الحديث من خلال بعض نماذجه، الدر العربية للكتاب 1984، ص : 18 وما بعدها.

51- سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص : 8

52-  نفسه، ص : 283

53-  فلاديمير بروب، مورفولوجية الخرافة، تر : إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط1: 1986

54-  Greimas, Sémantique structurale recherche de méthode. Larousse, 1976

55- R. Barthes,  Introduction à l’analyse structurale de récits, in l’analyse structurale du récit. Communication 8, p : 22-23

56-سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي ‘النص-السياق”، ص : 5

57-  نفسه،  ص : 32  – 58- نفسه، ص : 35 -  59-   نفسه، ص : 49 – 60- نفسه، ص : 77 – 61-  نفسه،  ص : 78 وما بعدها

62-نفسه، ص  : 81 وما بعدها – 63-  نفسه، ص : 98 – 64-نفسه، ص : 101 – 65-نفسه،  ص : 36

66-  يمكن الرجوع –على سبيل المثال لا الحصر- إلى الصفحات التالية :36-98-133-139

67-د. حميد لحمداني، النقد الروائي والإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، ط  1 : 1991، ص : 47

68-سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، ص : 139

69- د. حميد لحمداني، النقد الروائي والإيديولوجيا، ص 46.

70-: - W- Iser, Acte de lecture, théorie de l’effet esthétique,  pierre Mardaga 1985.

71-   J.Kristiva, le Texte du Roman : Approche d’une structure discursive transformationnelle,

- Mouton 1970

72- ibid p 12

73- -P. Zima, pour une sociologie du texte littéraire, 10/18. 1978,  p : 16

74-   P.Zima, l’ambivalence romanesque, prourst, Kafaka, Musil, le sycomore, Paris, 1980, p : 48