«

»

حول النقد الأدبي والسرديات

                                               أجراه : محمد الصالحي

 1. ألا ترى أن السرديات ينتظرها مستقبل مظلم ، وأنها تسير بسرعة مذهلة نحو نهايتها؟ أي أن هذاالعلم إنما يستمد شرعية  وجوده من كونه حديثا وجديدا ( عربيا على الأقل ) ، وأنه ما أن ينتهي كموضة حتى يقع الباحث والنص معا في حيص بيص؟ 

1. أراك تريد هذا الحوار صريحا ، وبلا مجاملات . إنك تبدأ عنيفا ، وفي موقع الهجوم . لن أتخذ مكان المدافع، ولكني سأكون في موئل الصريح . فالعديد من القضايا التي يطرحها هذا السؤال هي رجع ، وصدى للعديد من الأقوال التي يلوح بها ، عن حق حينا ، وعن تسرع أحيانا أخرى . دعني في البداية أرتب القضايا التي يتضمنها السؤال . ولو شئت التبسيط لقلت إن هناك قضيتين اثنتين . تتعلق أولاهما بمستقبل السرديات في العالم العربي . والثانية بشرعية وجودها والدور الذي يمكن أن تضطلع به في التعامل مع النص السردي . لنبدأ بالقضية الأخيرة . حين يتعلق الأمر ب ” العلم ”  لايمكن أن نذهب إلى أنه يستمد شرعيته من كونه حديثا أو جديدا . إن شرعية السرديات في اعتقادي تُستمَد من  قدرتها على : تحديد موضوعها أولا ، ومن  القدرة على تحليله بالعدة النظرية الملائمة ثانيا ، وعلى إمكان تحقيق التراكم الذي يساعدها على التطور لمعانقة مختلف الإشكالات التي يطرحها الموضوع الذي تهتم به ، وترمي إلى الاشتغال به . من هذه الناحية يمكنني الذهاب إلى أن السرديات يمكن أن توجد وتتبلور ضمن معرفتنا الأدبية العربية إذا ما تم الوعي بمختلف القضايا التي يطرحها أي علم كيفما كان نوعه ، أو موضوعه .

    فهل تم فعلا الوعي بمختلف المشاكل المعرفية  والإبستيمولوجية التي تطرحها العلوم الأدبية ، ومن بينها السرديات  في ممارستنا ووعينا العربيين ؟ بمنتهى  الصراحة والصرامة أيضا أؤكد أن مثل هذا الوعي غيرموجود ومتجسد بالصورة الملائمة في الوعي والممارسة . يبدو ذلك بجلاء في كوننا نتعامل مع النظريات الأدبية التي نستلهمها من الغرب بكثير من التسرع والارتجال ، والانبهار أيضا . ولعل جزءا من هذه الممارسة الظاهرة هو الكامن وراء النعوت التي وظفتها في سؤالك مثل : الحديث ، الموضة ، العلم … هذه وقائع لايمكن التغاضي عنها إطلاقا.

     لقد كان دائما يثيرني في ما أقرأ من نقد عربي يسير في هذا الاتجاه هذا الخلط بين الإطارات النظرية المختلفة ، بدون تدقيق الحدود الفاصلة بين هذا الاتجاه أو ذاك ..  وكان لسان الحال ينطلق من هذا التصور الخاطئ : إن كل المشتغلين ب “السرد” في الغرب بنيويون . ولما كنت أتبنى التصور الجديد في النقد فأنا بنيوي مع كل البنيويين . كان هذا هو أسلوب التعامل عندنا نحن العرب مع الاتجاهات النظرية في تحليل النص الأدبي باستلهام جديدها ومحدثها . بمعنى أن التمايزات  والفروقات العملية لم تكن تعنينا بالدرجة الأولى . إن  “الوظيفية” ، هل لي أن أقول الاختزالية ،  في التعامل هي التي كانت تحكم أشكال التعاطي مع هذه النظريات الغربية . وحيثما وجدت ما يعينني على مقاربة النص فأنا أوظفه وكفى ؟ . وهذا ما يجعلنا نرى في العديد من هذا النوع من الدراسات العربية  التي تزعم أنها ” سردية ” بأنها ليست في العمق سوى حذلقة أدبية . ويبدو لي أن هذا النوع من الوعي والممارسة ينسحب عليه ، بشكل كبير ، ما ورد في سؤالك من عنف ، وهجوم ، وتكهن بظلام المستقبل ، مع وقوع في حيص بيص ؟ وآية مثل هذا النوع من الوعي والممارسة يبرز بشكل بيِّن في الانتقال السريع بين النظريات وأمشاج النظريات .

    يشي هذا الانتقال ، والمزج بين النظريات ، أن المشتغل بالسرد إما جاهل بالحدود بين الاتجاهات ، أو أنه يوظف معارفه بحسب الحاجة ، وليس بمقتضى الضرورة . وإما أنه غير مقدر لعمله وخصوصيته ، فهو يلهث وراء الجديد يتبعه أينما حل أو ارتحل .. هذه الصور مجتمعة أو متفرقة تبيِّن لنا بالملموس أن طريقة التعامل ، لا تخلو من تعسف واختزال . وأفسر هيمنة أشكال التعامل هاته بغياب التقاليد العلمية في التناول والتفكير ، كما أعزوها إلى غياب تحديد هوية الدارس أو الباحث . فهل يطرح الباحث على نفسه هذا السؤال عندما يقدم على قراءة رواية ، أو تحليل نص سردي : من أنا ؟ وماذا أريد ؟ .. إن هذا النوع من الأسئلة مهم وضروري لأنه يجعله محصنا عن أن يكون ” الجامع المانع ” ، إذ في الممارسة العلمية لا يمكننا الحديث  عن هذا النوع من الرجال . تستدعي الممارسة العلمية التخصص ، وتعيين هوية المشتغل ، وموضوع الاشتغال . وإلا فليست هناك إلا الحذلقة ؟ .

   إن مايغيب من جراء تغييب طرح مسألة هوية الدارس ، هو عدم تدقيق نوع العمل الذي يقدم عليه الباحث . وفي هذا النطاق ، أرى أنه من الضروري التمييز بين العالم ” السردي ” وبين الناقد السردي . فالعلم يفترض التخصص ، والصرامة العلمية . أما النقد السردي فيأتي  بعد عمل العالم . وفي ما نقرأ من أعمال “سردية”  نحن بصراحة بإزاء نقاد ، وليس علماء ، حتى وإن زعموا أنهم يشتغلون في أفق  ” السرديات ” أو ضمن حدودها . يسمح لنا هذا التمييز بالذهاب إلى أن شرعية السرديات لا يمكن أن تستمد من كونها حديثة ، إذ ستصبح غدا عتيقة ، ولكن تستمدها من مدى حرصها ، ونجاحها في أن تتأسس علما له شروطه اللازم توفرها لنكون فعلا أمام ممارسة علمية من جهة ، وأن يضطلع بها من عندهم الهواجس العلمية ، ويؤمنون بضرورة توفرنا على علوم مناسبة لمعالجة مختلف أشكال السرد التي يزدحم بها عالمنا من جهة أخرى . أما ما خلا ذلك فأحاديث تنتهي بطلوع النهار …

    أما القضية الثانية ، والمتصلة بمستقبل السرديات ، فمن الصعوبة بمكان التكهن بظلامه ، أو نهايته . صحيح هناك مؤشرات عديدة دالة على واقع ممارسة مهترئ . لكن ما يدفعني إلى عدم التشاؤم والتفاؤل أيضا هو أن “السرديات ” في ثقافتنا ما تزال قيد التأسيس . وكلما نجحنا في إقامتها على أسس صلبة كان التطور واردا وممكنا . وما يدفعني إلى هذا هو أن هناك علوما سردية عديدة تبلورت في الغرب ، لكن ما احتل منها موقعا في ثقافتنا هو ” السرديات ” ، ولذلك أسبابه التي يمكن البحث فيها في زمان غير هذا . كما أن هناك علوما أدبية عديدة تبلورت في الغرب بصدد الشعر والدراما ،،، لكننا لا نسمع بها ، ولا نقرأ عنها . ودون تأسيس السرديات، والعمل على تطويرها ، الكثيرمن الجهد والعمل الذي ينتظرنا  في هذا السبيل .

2.   استكمالا للسؤال أعلاه ، يبدو جليا أن الضحية في التحليل السردي هو جمالية النص ، إذ غالبا ما يلاحظ إخضاع النص للمنهج ، فيتوارى النص، ويبرز المنهج ؟ .

2 .  ما دام في هذه العلاقة شيء يتوارى ، وآخر يبرز ، فهناك على الأقل شيء ما ، أي هناك حصيلة . الأغرب هو ألا يبرز منهج ، ويظل النص متواريا . ومشكلة النص والمنهج مشكلة حقيقية ، وهي على غرار كبريات المشاكل الأدبية التي لم نفكر فيها، نحن العرب ، بطريقة علمية وواضحة ، ولم نقدم فيها أدبيات تنم عن بحث واجتهاد وحوار ، تثير الكثير من الالتباسات وأحيانا النقاشات البيزنطية . وتظل العلاقة التي يمكن أن تتحدد بين النص والمنهج ، والموقع الذي يحتله الباحث منهما ، هو الذي يعيِّن احتمالات ، وآفاق ما ينجم عن هذا اللقاء الصعب . ويظهر لي أن المنطلق الذي ينطلق منه المشتغل بالسرد ، له دوره الأساسي في جعل هذا العنصر متواريا ، أو الآخر مبرزا . وفي هذا المضمار يمكن القول بأن هناك إمكانات عديدة لما يحدث من جراء تشغيل جهاز مفاهيمي ضمن شبكة من الإجراءات والمستويات . والقارئ لهذا النوع من الدراسة لايمكنه أن يتفاعل معها . إنه يتصور أنه بقراءته لتحليل سردي ما ، سيجد نفسه أمام حكاية مقدمة إليه بلغة أخرى ، هي اللغة النقدية . لكنه يصاب بالحيرة والذهول أمام كثرة المصطلحات ، والخطاطات ، والمستويات التي يصعب عليه متابعتها ، أو استيعابها .

    فعلا ، لايمكن والحالة هاته إلا أن يستشعر القارئ أنه  يقرأ أشياء لا علاقة لها بالنص موضوع القراءة أو التحليل : فما يصبح يحتل المستوى الأول هو الذي أسميته المنهج . وهذا طبيعي ، فنحن نتناول دراسة لا نصا إبداعيا . من أراد أن يجد النص بارزا فما عليه إلا أن يذهب إلى النص مباشرة ، وسيعثر عليه أكثر من بارز . لكن الدراسة السردية ، أو سواها ، هي من طبيعة أخرى، ومن الطبيعي جدا أن تبرز ملامحها ، ومميزاتها الخاصة بها : إجراءات ، مصطلحات ، خطوات … إن الدارس يشتغل بالسرد ، ولكن في نطاق معرفي ، أو علمي محدد . لذلك فكما على المشتغل بالسرد أن يتساءل من هو ؟ على القارئ  أن  يعرف نوع الخطاب الذي يقرأ ، وما هي مواصفاته . وتبعا لذلك فللخطاب العلمي خصوصياته ، ولغته العلمية الخاصة . وفي معاينتنا لهذا النوع من الخطابات علينا أن نبحث عن مدى قدرته في إنتاج معرفة علمية بصدد النص الأدبي أو السردي. وضمن هذا الحد ، يمكننا الوقوف عند إمكانية الكشف عن جمالية النص السردي ، ولكن من خلال خطاب علمي . وبصدد جمالية النص ، تختلف الاتجاهات والنظريات . فالسيميوطيقي المشتغل بالسرد مثلا ، لا يهمه تناول جمالية النص ، لأن ما يشغله بالدرجة الأولى هو الدلالة الكامنة وراء اتخاذ الحكي أساسا للتعبير . وهو حين يصرح بذلك على الصعيد النظري ، فليس لنا أن نحاسبه عن إغفاله لهذا الجانب . أما ” السردي ” فيهمه البحث في خصوصية العمل السردي ، لذلك نجده يتناوله من حيث بنياته الزمانية ، والخطابية ، والسردية . وحين يكشف لنا عن العلاقات التي تصل الراوي بالحكي والمروي له ، أو يبين لنا بنية السرد ، والرؤيات التي توجه المحكي ، أو يقف عند أشكال اشتغال الزمان في العمل ،،، فهو في كل ذلك يعمل جاهدا على البحث عن جمالية النص السردي ، ويكشف لنا عن خصوصيته . صحيح في كل هذه الممارسة ، نجد أنفسنا أمام ترسانة من المصطلحات الجديدة التي لم نتعود عليها ، ولم نستأنس بها ، ولعل هذا واحد  من أهم العوائق التي تحول دون التواصل مع هذه النظريات الجديدة . أعتبر هذا النوع من المشاكل عاديا ، وطبيعيا ، وأعتبره كذلك مؤقتا.

ومع مرور الزمان يمكن لهذا النوع من المشاكل أن يزول ، لأن جدة توظيف هذا النوع من الخطاب في خطابنا النقدي ، جاءت بعد أزمان طويلة من التعامل النقدي البسيط مع المفاهيم والمصطلحات .

    أذكر في هذا المضمار أن أي علم يكون في بدايته غريبا ، وصعبا ، لكن الصيرورة والتطور كفيلان بجعله أكثر ألفة لدى مختلف فئات القراء . ولقد بدأنا نلمس بعض هذا في واقعنا العربي . وكلما نجحت “السرديات ” في التبلور في الوعي والممارسة في فكرنا الأدبي ، تم تجاوز العديد من العراقيل ، وتصويب الكثير من الآراء المتسرعة ، والمواقف المسبقة .

3.  بعد هذه الدراسات السردية الكثيرة والمتميزة ، وبعد قراءة كل السرد العربي ، قديمه وحديثه ، تقريبا ، أما راودتك ، يوما ، فكرة كتابة الرواية . 

3.  لايمكنني أن أزعم أني اطلعت على كل السرد العربي ، قديمه وحديثه . إن التراث السردي العربي غزير جدا ، وما نعرفه منه أقل بكثير مما هو متوفر ، أو موجود . كما أن السرد العربي الحديث كثير كثرة البلاد العربية ، وتنوع المبدعين فيها ، ويصعب على المتابع أن يلم بكل التركمات التي تتزايد باطراد . أما عن كتابة الرواية ، فأخبرك أني حاولت منذ 1986 كتابة نص سردي ، يدور في فلك الحكي الذاتي . ولقد نشرت عدة فصول ، وشذرات من هذا النص . وأنا الآن بصدد إعادة النظر فيه ، وإعداده ليصبح قابلا للنشر . وفعلا تراودني بين الفينة والأخرى عملية الكتابة الإبداعية ، لكن عندما يحين أوانها فإني سأقدم عليها بدون تردد . إن الإبداع ، بصورة عامة ، يتيح إمكانات مهمة للتعبير عن الانشغالات والهموم التي لاتتسع لها ضروب أخرى من الكتابة نظرا لخصوصياته وطرائقه المتعددة للتجسيد والتمثيل .

4.  الأستاذ سعيد ، أما جرَّبت أن تحلل الشعر يوما ؟

4.  بصراحة فكرت في ذلك مرارا لكني أتردد باستمرار ، ذلك لأني أومن إيمانا قويا بالتخصص . وما حاولت الانتهاء إليه من خلال أعمال طويلة في تحليل السرد ، لايمكنني إنجازه بالنسبة للشعر . لقد بدأت منذ بداية الثمانينيات في التفكير في ضرورة أن يكون لنا علم يتصل بالسرد . وعملت جاهدا أن تنصب كل أعمالي في هذا المنحى . ووقتها كنت أطرح على زملائي الذين كانوا يشتغلون بالشعر ، أن يحددوا لي  ”  الموضوع ” الذي يشتغلون به ، ولم أكن أحظى منهم بجواب . رغم أن الأمر بالنسبة للشعر مختلف عند مقارنته بالسرد . لقد ترك لنا العرب تراثا نقديا هائلا ، لكن للأسف الشديد لم يتم استثماره على الوجه الأنسب الذي يمكِّن من تطوير تصورنا للخطاب الشعري . وإني أتساءل دائما لماذا في دراساتنا الأدبية نتحدث الآن عن ” السرديات ” في حين كان من الممكن أن ينصب اهتمامنا على ” الشعريات ” ، بلورة وتطويرا ، وإغناء ؟…

    أما عن تناول الشعر بأدوات سردية ، فلست أدري كيف يمكن أن يتحقق ذلك لاختلاف شكل الممارستين . لكن ما يمكن إنجازه انطلاقا من الأدوات السردية عند الاشتغال بالشعر ، هو البحث في ما يمكن تسميته ب “الشعر ” السردي . وبالمناسبة فالشعر قديمه وحديثه يزخر بالبعد الحكائي والسردي . ومن هذه الناحية يمكن للسردي أن يقتحم عوالم الشعر . لكن هذا العمل محفوف بالكثير من المزالق التي بدون الوعي بها ، سنتعامل  ، أو أننا سنتناول القصيدة باعتبارها سردا أو حكيا ، لكن البعد الشعري سيضيع . وهنا سيتوارى (أستعمل لغتك ) الشعري ، ويبرز السردي . وفي حال الوعي بهذا النوع من المشاكل ، يكمن للدراسة السردية ، إذ ما تدققت أو اغتنت بنظرية ما  في الأجناس الأدبية ، أن تكون مفيدة في الكشف عن الطابع السردي حين يتجسد من خلال الخطاب الشعري . وفي هذه الحال ستغتني الدراسة الأدبية في مجالي الشعر أو السرد بما يمكن أن يقدمه كل منهما لتطوير الدرس الأدبي إجمالا . ويبدو لي أن هذا هو المطلوب راهنا للنهوض بمختلف الإشكالات التي تشغلنا في المجال الأدبي والفكري عموما .

5.  ما النصوص التي أثارتك أكثر ، وكيف تفاديت الوقوع في شرك فتنتها ؟ .

5. هذا النوع من النصوص الذي يمكن أن يثيرك ، ويبقيك في شركه مدة طويلة موجود ، ومتوفر . وكل واحد منها يمارس عليك غوايته بطريقته الخاصة . وأنت تستجيب لها ، أو تختال للتملص من الآثار الناجمة عن تلك الاستجابة . لاأخفي عليك أنني أتواصل مع النص الجيد والجميل بغض النظر عن جنسه ، أو النوع الذي ينتمي إليه ، أو اللغة التي كتب بها . وسواء كان هذا النص قديما أو حديثا . أعتبر النص الجميل كالمرأة الجميلة . ولا يمكن أن تضع خطوطا فاصلة ونهائية لما هو جميل . فاللون ، والصنف ،،، تجليات متعددة لشيء واحد هو الجمال .  وإزاء النص الذي يثيرني لا يمكنني إلا التعبير عن إحساسي تجاهه ، والكتابة عنه . قد تتأخر الكتابة عنه ، لكن موقعه في ذاكرتي الجمالية ( التي تُخزِّن الجميل ) يظل حاضرا أبدا .

    في الآونة الأخيرة ، تركزت قراءاتي على النصوص العربية والغربية القديمة ، وخصوصا في المجال السردي . وتبين لي أن لهذه النصوص سحرها الخاص والمكتوم . تجد فيها نوعا من السذاجة ، والبساطة عندما تقارنها بما يمور به عالمنا . لكنك ما أن تتأمل في عوالمها حتى تلفى نفسك أمام العمق ، والتفاعل الدقيق مع الأشياء والظواهر . وتتبيَّن رؤية أصيلة إلى العالم . هذه البساطة والعمق هما ما يشدني إلى هذا النوع من النصوص ، ويجعلها تمارس علي نوعا من التأثير الأقرب إلى السحر . وحين تمارس علي غوايتها ، وفتنتها ، أهرب منها إليها ، فأعمل جاهدا على التفكير في ” سرية ” مسحة التأثير فيها ، والكامنة وراءها . وأعتبر أن هذا هو ما يشدني إليها  أكثر ، وعندما أنجح في الإمساك بهذا  ” السر ” سأعتبر نفسي عاشقا للجمال الحقيقي ، وقارئا متذوقا للنص الجميل . ولتفادي الوقوع في شرك فتنتها ، ( ترى ما الذي يدفع بك إلى التفكير في ضرورة تفادي الاستمرار في الافتتان بها ؟ ) أنتقل من لحظة الانفعال بالنص إلى التفكير في عناصره ومختلف مقوماته . وفي هذه الأثناء تصبح علاقتي به مختلفة ، لكن التعبير عن تلك اللحظة يتوارى خلف إنتاج نص آخر له مواصفاته وآلياته . ويبدو لي أن دائرة تأثير النصوص التي أتفاعل معها أكثر من غيرها ، يمكن أن يبرز بطريقة أخرى عندما سأتفرغ في مرحلة معينة للكتابة الإبداعية .

6 . يبدو لي  ، أحيانا ، أن السرديات مجرد تحصيل حاصل ، أو هي ، إن شئت ، تقنين البديهيات . ما أن يقبض الباحث على بنية النص حتى يضع نقطة النهاية . ألا تشعر بالخيبة بعد إنهاء عملية التحليل ؟

6. لست متفقا معك إطلاقا فيما يبدو لك أحيانا ، أو دائما . هل جرَّبت اصطياد السمك ؟ ما هو الإنسان ؟ أليس مجرد تحصيل حاصل ، لو شئنا اعتبار الأمور على ما هي عليه في واقع التجربة ؟ ولكنه الذي حارت البرية فيه ، وهو المستحدث من جماد . ليست السرديات تحصيل حاصل ، ولا تقنين البديهيات ؟ أنا لا أفهم معنى تحصيل الحاصل ، ولا البديهي ؟ أمام البحث لا يمكن التسليم بالبديهي . حين يمسي الصياد إلى البحر لاصطياد السمك ، والليل مقمر ، لا يلتفت إلى من يتهكم عليه بالغمز أو باللمز . يجمع عدته ، ويتوجه إلى النص ،  المحيط  ليواجه ليل المعنى . يلقي بصنارته ، وينتظر ، حتى تثيره أدنى حركة ، وهو دائم الإنصات إلى همسات النص . لا أتصور أي باحث بمجرد ما أن ” يقبض” على بنية النص حتى يضع نقطة النهاية . إن اصطياد أدنى سمكة ، وأبسط صيد لا يمكن أن يضاهيه إلا القبض على بنية النص . لا أشعر بالخيبة مطلقا وأنا أنتهي من التحليل . بل على العكس أشعر بنشوة لا مثيل لها، ليس فقط بعد الانتهاء، بل وحتى عند الإمساك بالخيط البدئي الذي يقودني إلى ملامسة البنية التي تتحدث عنها . إن السرديات تعلمنا كيف نقرأ النص ، ونقترب من عوالمه ، وندخل إلى سراديبه . ودون القبض على بنية النص ( هل أقول صيد سمكة  ؟) ، خرط القتاد، كما يقال . ألا ترى معي أن الفرق جلي بين من يمتلك العدة التي تؤهله لاقتحام عالم  ما ، وبين من لا يملكها؟ . إنه الفرق نفسه الذي يمكن تلمسه بين الباحثين ، حتى وإن كانوا يمتلكون العدة عينها . ماالسر في ذلك ؟ وأين البديهيات ؟ وتحصيل الحاصل ؟ …

    إن السرديات بما هي تصور في / للقراءة  تمكننا من مفاتيح الأبواب الموصدة. وعلينا أن نحسن توظيف المفتاح ، وإلا أضعنا الباب ، وجلسنا نندب حظنا العاثر . لا يكفي أن تكون الحِنَّاء رائعة ، إذ لابد أن تصاحبها كف ملساء ليكون النقش مواتيا . لقد أتيح لي مرارا أن أساهم في قراءات نصوص روائية مع مجموعة من النقاد . وكنت ألاحظ فروقا شاسعة ، بيننا ، في قراءة النص نفسه ، وفي ” القبض ” على بنيته . هذا الوضع لا يمكن إلا أن يستفزَّ على السؤال ، وخصوصا إذا كنا نوظف الأدبيات نفسها في التحليل . من السهولة بمكان الذهاب إلى أن هذه القراءة أعمق من أختها ، ولكن أين المشكل هنا ؟ هل في السرديات أم في المشتغل بها ؟ هنا يجب التمييز بين الكوع والبوع ، ونلقي اللوم على الكفِّ الرعناء التي لاتحس برهافة الماء ، وتضيع المفتاح، ولا تواتيها حناء ..

7 .هل يمكن الآن ، بعد كل هذا الجهد العلمي ، الحديث عن منهجية سعيد يقطين السردية ؟ .

7. أجد صعوبة كبيرة في الجواب عن هذا السؤال لا من باب التواضع ، ولا من بيت الثقة في الذات . عندي طموح تقديم هذه المنهجية السردية . وفي كل كتاب من الكتب التي أصدرت إلى الآن محاولة لإضافة خطوة جديدة في رحلة الألف ميل . ومنذ كتابي الأول  ” القراءة والتجربة ” (1985) ، وأنا أحاول أن أؤكد أن علينا تأسيس علوم أدبية مختلفة . وحاولت من جهتي التخصص في الدراسات السردية ، لأني أومن بأن التخصص هو الذي يُمكِّننا من تحقيق التراكمات المناسبة بهدف التطوير والإغناء . اشتغلت بالرواية ، وانتقلت إلى البحث في التراث السردي العربي القديم . وهذا التنويع أفادني كثيرا في تقديم مقترحات لقراءة السرد العربي قديمه وحديثه . ويمكنني ، وهذا ما أحس به وأتمنى أن يكون كذلك ، أن أزعم أن الأسئلة التي أطرح على نفسي ، نظريا وتطبيقيا ، أتقدم بشكل تدريجي في الإجابة عنها . هناك نوع من البطء ، لكني أوثره على أن أكون عطارا يتجول بين المناهج والنظريات . وكل ما أتمناه هو أن أساهم بما أستطيع في طرح الأسئلة التي تساعد فكرنا الأدبي على التطور ، والتبلور بما يفيد في قراءة النص العربي الذي أراه يراكم تجاربه الخاصة والمتميزة بخطوات ثابتة وإيجابية  .

8 . قال إمرسون يوما : ” يجب ألا نقرأ  إلا مايعجبنا . إن الكِتَاب ينبغي أن يكون  شكلا من السعادة . إننا مدينون بالشيء الكثير للأدب ” . كيف يمكن للباحث في السرديات أن يتفادى تزكية الأعمال الساقطة ؟ كيف يمكن له أن يكون محللا وقارئا ذكيا في آن؟ ما هي مسؤوليته بالتحديد؟

8.  لست أدري كيف يمكن للباحث في السرديات أن يُزكِّي الأعمال الأدبية الساقطة . يمكنه أن يتفاعل مع نصوص نراها ساقطة لسبب أو لآخر ، ويقوم بقراءتها لأنها تعجبه ، هذا وارد . فالقراء يختلفون في تقييمهم الأعمال السردية الجميلة ، إذ قد تكون عند أحدهم ميولات إلى الرواية ذات البناء التقليدي ، وقد تكون لآخر ميولات إلى نقيضتها ذات الشكل المنزاح على المتداول … ودرجات القراء تتفاوت ، وتختلف ، تبعا لأفق القراءة لدى كل منهم . وما نقوله بصدد القاريء ، يمكن تعميمه على الباحثين . إن الباحث في السرديات ، أو المشتغل بها على نحو خاص مدعوّ إلى التفاعل مع النصوص السردية التي يقرأ . وحين لا تعجبه تجربة ما ، فما الذي يدفعه إلى الكتابة عنها . وإذا ما تناولها ، وسلَّط عليها أضواء أدواته ، ووظف عدته النظرية في التعامل معها، فليس معنى ذلك أنه أعطاها قيمة خاصة  أو أنه يزكيها . إن رؤيتنا إلى كيفية معالجته إياها ، هو الكفيل بجعلنا نتساءل عن مدى نجاحه في عمله أم لا .

   وكما يمكن أن تتلمس في الإجابات السابقة ، فعلى السردي أن يكون أولا ملما بالجوانب النظرية التي يشتغل بها ، ومدركا لخصوصياتها ، وتفاصيلها. لكن هذه المعرفة العلمية الضرورية ليست وحدها كافية ، إذ لابد  كما ذكرت ، من أن يسندها ذكاء وقاد ، وحس فطري ومتطور لإدراك الجمال اكامن في التجارب المختلفة  . وأن تكون له القدرة القرائية التي تبرز من خلال نجاحه في التوصل إلى نقل معرفته وحسه الجمالي إلى القاريء . وبطبيعة الحال فكل هذا يبين لنا أن هناك مسؤولية كبرى يضطلع بها السردي . وبحسب درجات النجاح في تجسيد هذه المسؤولية  يمكننا التمييز بين السرديين ،  مع الاعتراف بأن هذه المسؤولية صعبة ، وأصعب منها ، إنجازها على النحو الأمثل . وكل يحاول ، تبعا لإمكاناته وطموحاته …

9. في مقال أخير لك عن ” المصطلح السردي ” ، تصب جام الغضب على التسيُّب الذي يسود الدراسات السردية ؟

9 . لا أصب جام الغضب على أحد ، ولكني عندما أرى الفوضى والتسيب يطبعان ممارسة بكاملها ، ولا من مناقش ، أو معترض، أقول : ماهكذا تُورَد؟. إنني أتعجب إلى درجة الجنون من هذا الوضع الذي لا يمكن إلا أن يفاقم تردي واقعنا النقدي ، وفكرنا الأدبي . فإلى متى يستمر هذا الحال ؟ فالحوار مفقود ، والتواصل منعدم . إن المشاكل التصلة بالمصطلح كثيرة ، ومتعددة ، وموضوعية ، وبالقليل من الجهد يمكننا أن نضع أنفسنا في السبيل القويم إذا ما تم الإنصات إلى المجهودات المختلفة  ، وكان الحوار بشأنها عميقا ومتأنيا . لكن الذي يحدث ( وعادة من قبل بعض الذين تستهويهم عملية الترجمة ) ، هو أن  البعض يتصور أن المعرفة باللغة الأجنبية المترجم منها كافية للإقدام على ترجمة دراسات تنتمي إلى حقل معرفي محدد اللغة ، ومضبوط المفاهيم. هذا التبسيط  والاختزال ، لايمكنهما في الواقع إلا أن يضاعفا من التدهور السائد . ولذلك آثاره السلبية على فكرنا النقدي ، وعلى متلقيه أيضا ، لأن ذلك  يساهم في إشاعة نوع من الفوضى واللبس الذي يشوِّش على التطور ، ويحول دون تطارح القضايا الجوهرية ، التي تستدعي منا بذل الجهود الحقيقية للتفكير فيها ، والعمل على بلورتها وإنضاجها . وفي هذا المضمار يمكن أن أشير إلى أنني بصدد إعداد دراسة عن السرديات والمصطلحات السردية ، ومن خلالها ، أرمي إلى ترهين التفكير في العديد من الجوانب والمشاكل المتراكمة في مجالنا الأدبي بوجع عام ، والسردي على نحو خاص .

10 . الآن ، وبعد أن أنهيت  الدكتوراه ، كيف ترى إلى أبحاثك المستقبلية؟ .

10 . هناك الكثير من الموضوعات والقضايا كنت أؤجلها  بسبب الوقت الذي يمكن أن يستغرقه مني إنجازها . والأن ، سأعمل على التفرغ لها . من ذلك عمل حول السرديات ، وستكون له طبيعة نظرية لأني أعتبر الوقوف على هذا النوع من المسائل ملحا في واقعنا النقدي . وسأواصل البحث في السيرة الشعبية لاستكمال المشروع السردي الذي أسعى إلى تجسيده . وفي الوقت نفسه سأتمِّم تحقيق “سيرة سيف التيجان ” وهي من السير الشعبية غير المعروفة لدى القاريء العربي . كما أُرهِّن العديد من المقالات والدراسات التي كنت قد أجلتها ، وهي كثيرة ، يتعلق بعضها بقراءة الرواية العربية ، أو السرد العربي القديم ، أو ب” المغربيات ” وهي محاولة في الكشف عن التراث المغربي ، وقراءته قراءة جديدة ، بقدر ما تهدف إلى التعريف به  ، تروم البحث  عن بعض شروط تشكله ، وصيرورته … يأمل المرء ،،، والآمال عريضة  . وكلما كبرنا ، تكبر معنا مشاكل واقعنا وأمتنا ، وكل منا يساهم في التفكير فيها ، ولعل هذا هو المراد … فلنتحاور ، فالحوار بوابة التطور ، والتقدم ، وهما يجسدان هاجس كل العرب ، وإن تباعدت المسافات ، واختلفت التصورات …

انتهى

أضف تعليقاً

Your email address will not be published.