«

»

هل قلت حقوق المؤلف؟ لا. لقد ذهبوا إلى الحمام.

 اليوم العالمي للكتاب:

هل قلت حقوق المؤلف؟ لا. لقد ذهبوا إلى الحمام.

25 أبريل 2012

   نتحدث كثيرا عن الحقوق. وكلما كثر الحديث عن شيء فمعنى ذلك أنه غير موجود إلا في اللغة. أتجول أحيانا بين الأكشاك فتثيرني كثرة الكتب التي  تدور حول التربية. كما تثيرني كثرتها متصلة بالسياسة والحقوق. وعندما تم إدراج نظام “الإمدال” (إجازة – ماستر – دكتوراه ) في المغرب كانت مادة “التواصل” المادة السحرية التي تم التعويل عليها لتخريج أفواج من حملة الشهادات الجدد، أي غير المعطلين وغير المحتجين. ولم يكن التواصل معهم بغير العصا، قبل أن تسوى وضعية بعضهم. ولم يكن لهم من أداة للتواصل غير الاحتجاج؟

     رغم ما قلناه عن كثرة الأشياء، هناك تربية وهناك سياسة وتواصل. كما أن هناك حقوقا كثيرة صارت محط الاهتمام والتفكير والمطالبة. وكل الحقوق قابلة، مع الزمان، طال أو قصر، أن تتحقق جزئيا إن لم يكن كليا. لكن حقوقا واحدة لا يمكنها أن تحقق، لأنه من الصعب تصور أن لأصحابها حقاً في الوجود، فالأحرى  أن تكون لعملهم الذين يقومون به حقوق ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، ويتم تبعا لذلك التفكير في المطاللبة بها في مجتمعنا. إنها حقوق التأليف، وحقوق المؤلف.

    يحتفل العالم في ٢٣ أبريل من كل سنة بعيد الكتاب. وأنا أنوي كتابة” الكتاب” بعد “عيد” خرجت لي على الشاشة “المتاعب”، فوقفت أتاملها “عيد المتاعب”.لكني سرعان ما حذفتها، وها أنا ذا أواصل منصرفا عما يمكن أن يجرني إليه هذا الخطأ . إنها مناسبة للحديث عن الكتاب ومشاكل توزيعه، ومشاكل قراءته، ومنافسة الرقميات له، وأخيرا حقوق مؤلفيه. تم الاحتفال الأول بعيد الكتاب في عام ١٩٩٦ بقرار من اليونيسكو  في مؤتمرها السابع والعشرين، حيث كان اعتماد تاريخ ٢٣ أبريل من كل عام للاحتفال بـ “اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف”. ومن عجب ان يلتقي عيد الكتاب مع شهر الكذب في شهر أبريل، ويدفع ذلك زميلنا المديني ليربط بين الكُتاب والكذب، فيصوغ من ذلك لفظ “الكُذاب”. ولهذا لا نجد اهتماما كبيرا في مغربنا الحبيب بهذه المناسبة لأن لا فرق عندنا بين يوم الكذب ويوم الكتاب، إن لم يكن الأول أهم وأجدى. وحدها تطوان اختصت بعيد الكتاب الذي يقام سنويا في أوائل الصيف.

    نقصد بالمؤلف، ونحن نتحدث عن الكتاب، كل من ينتج أثرا فكريا أو إبداعيا من خلال كتاب قابل للتداول بين الناس. ولكي يكون المؤلف مؤلفا لا بد من مراعاة شروط التأليف في المجال المؤلف فيه ليكتسب صفة الكتاب. وبما أن الكتاب يحمل اسم صاحبه أو المشتركين في تأليفه فهو يدخل في نطاق الـ”ملكية” الفكرية الخاصة (أدبية ومادية). ولا تتحول هذه الملكية إلى المجال العمومي إلا بعد سبعين سنة من وفاة صاحب المنتوج.

    لكن بالنسبة إلينا (في الوطن العربي عموما، والمغرب خصوصا) يُعَد الحديث عن الحقوق الفكرية ضربا من الترف بل من السخف الذي لا يجعله موضوعا قابلا للحديث بَلْهَ أن يكون حقاً قابلا للمطالبة أو التحقيق. إذا كان من بين الأسباب الكامنة وراء عدم الإيمان بأهمية وضرورة حقوق التأليف غياب تقاليد ثقافية تختص بالكتاب والقراءة، فإننا نجد أن عدم الاعتراف بالكتاب باعتباره منتوجا وحاملا لقيم هو في الوقت نفسه عدم الاعتراف بالمؤلف أو الكاتب. وإذا كانت المستحيلات ثلاثة عند العرب: الغول والعنقاء والخل الوفي، كانت حقوق المؤلف رابعة الأثافي العصرية.

    إن المؤلف يتعرض لضياع حقوقه أولا من لدن زملائه في الحرفة. فكثيرا ما يتعرض للسطو على أفكاره وتصوراته وكتاباته من قبل الكتاب أنفسهم فينسبون ما لغيرهم إليهم، بعد إخفاء آثار السرقة بحيل وتقنيات عديدة. كما يتعرض المؤلف للتغييب من لدن زملائه في الاختصاص فيستشهدون بنصوص من الدرجة الثالثة من مؤلفات مشرقية، ويهملون نصوص زميلهم رغم كونها أسبق في الزمان، وأعمق من غيرها. كما أنهم يقدمون لطلبتهم مراجع لكتاب من خارج المغرب، ويغفلون مراجع زملائهم المغاربة. وقس على ذلك مما يدخل في بابي ” زامر الحي” و”خوك في الحرفة”.

    ومما يدخل في تجاهل الحقوق الفكرية لدى المؤسسات الإعلامية والأكاديمية المغربية عدم تقديم مكافآت عن المجهود الفكري والإبداعي الذي يقوم به المثقفون أو المبدعون وهم ينتجون نصوصا أو يشاركون في تظاهرات فنية أو أدبية في مختلف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة. فهم لا يرون في هذا عملا يستحق “حقاً”. ففي الجامعات العريقة او التي تحترم المثقف تعطي مكافآت عن التحكيم والتقويم ومناقشة الرسائل. كما أن وسائل الإعلام العربية  تقدم مكافآت لكتابها. وكذلك القنوات المختلفة. أما عندنا فيعتبر هذا “بدعة” يجب التصدي لها. ويجب اتباع مختلف الأساليب لجعل الباحث أو المبدع يفكر في أن ظهوره في التلفزة أو مقاله في الجريدة أهم من أن ينال عليه مكافأة. ويدخل هذا في باب ” جَوّعْه”.

    أما الناشر فلا نطيل الحديث عنه. فهو نفسه يعرف بماذا يوصف. إنه دائم  الشكوى من ضعف القراءة، ومن ضعف الإقبال على الكتاب. ومعه لا حقوق ولا يحزنون. وإذا طبع لك بدون مقابل فالأحرى أن تقبل السماء بالبارْكِية ؟ ولهذا نجد الناشرين “يتحدون” للدفاع عن ” تجارتهم”. أما الكتاب فلا تجد بينهم سوى التنابذ والتنافس والتحاسد والصراعات المجانية والتي لا علاقة لها بالكتاب ولا المؤلف. وحبذا لو يتحول “اتحاد كتاب المغرب” إلى نقابة تعنى بشؤون “الكتاب وحقوق المؤلف” أسوة بكل النقابات، وتضطلع الفروع بالنشاط الثقافي. وتدافع هذه النقابة عن حقوق الكُتاب ووضعهم الاعتباري في المجتمع، وبذلك يمكن لـ”العضوية” أن تكون ذات مصداقية لأنها تعطي المؤلف الحق في السكن والصحة ووسائل النقل. وتؤسس أندية للكُتاب يتسامرون فيها مع أطفالهم ويناقشون فيها زملاءهم. وتعمل هذه النقابة على تحقيق منحة التفرغ للكتابة،وتسهر،مثل نقابة الصحفيين،على ضمان الحقوق المختلفة للكتاب.

     يبدو لي أنه بمثل هذا يمكن للكتاب أن يفرضوا وجودهم ويعملوا على تحقيق مطالبهم تجاه الدولة والمجتمع معا. كما يمكن التفكير في توفير بنيات تحتية تابعة للاتحاد مثل المطبعة وشبكة التوزيع، ويمكن للكتاب أن يساهموا في هذه المشاريع، ماديا وأدبيا، وتتحمل الدولة التكاليف الأخرى. بذلك يمكن للكتاب أن ينخرطوا في المجتمع وفي تطوير المجتمع وتعزيز مكانتهم فيه. أما الصراعات الخاوية والأفكار الإقصائية فلا يمكنها إلا أن تساهم في تهميش الثقافة والمثقف وضياع الحقوق. ولهذا السبب ألقينا باللائمة على الكتاب أنفسهم عندما تحدثنا عن اتحاد الكتاب ومشاكله. إذ لا يكفي أن نطالب الآخر بتحملنا، إذا كنا عاجزين على قبول بعضنا البعض.

   الكتاب واتحادهم أحرى بالدفاع عن “الكتاب وحقوق المؤلف”. لكنهم منشغلون عن ذلك. إنهم “يَتَرادَوْن” بالأقباب في الحمّام.