«

»

في ذكرى 20 فبراير… من الحركة الوطنية إلى الحركة الديمقراطية الجديدة

المجتمع السياسي التقليدي لم يأخذ مبادرة تجديد تصوراته وممارسته للانخراط الإيجابي في الصيرورة الجديدة

الأربعاء 22 فبراير 2012

عرف مغرب الاستقلال انتفاضات كبرى، شكلت محطات أساسية في صيرورة النضال المغربي (23 مارس 1965 ـ 20 يونيو 1981 ـ يناير 1984 ـ 14 دجنبر 1990،،،). لعبت هذه الانتفاضات وغيرها دورا كبيرا في التعبير عن الرغبات الشعبية في تحول المغرب إلى بلد يحظى فيه مواطنوه بشرف الانتماء إلى الوطن، والإحساس بعمق الصلات التي تربطهم به وجدانيا وتاريخيا وواقعيا. كانت السياقات العامة لكل تلك الانتفاضات تتعدد، وتختلف باختلاف تطور المجتمع الدولي بعد الحرب الثانية والذي كانت خلاله الحرب الباردة فيه تلقي بظلالها على التحول الذي كان يطالب به المغاربة. لذلك كانت نتائج تلك الانتفاضات محدودة، إلى جانب عوامل أخرى، لا تسهم إلا بشكل متعثر في تحديد العلاقة بين السلطة والمجتمع.

غير أن 20 فبراير تميزت عن كل تلك الانتفاضات بأنها حركت كل الرغبات القديمة في الإحساس بالانتماء، وكل الطموحات إلى إحداث تغيير يستجيب للمطامح الكبرى في بناء مغرب جديد ومتطور. ولا داعي هنا للتشديد على السياق العام والخاص اللذين حددا حركة 20 فبراير المغربية، وجعلاها تمثل نقلة نوعية ومتميزة في تاريخ الحركة السياسية والاجتماعية بالمغرب. يدفعنا تميز هذه الحركة عن نظيراتها في تاريخنا الحديث إلى تشبيهها بالنضال الوطني الذي خاضه المغاربة قاطبة من أجل الاستقلال حيث تعبأ الجميع مطالبا برحيل الاستعمار تحت شعار واحد «ليسقط الاستعمار». إن هذا «التشبيه غير البليغ»، لعوامل كثيرة تتصل بالعامل الزمني الذي لعب دورا خاصا في تطور المجتمع المغربي وإحداث تحولات عديدة، وعلى مختلف الأصعدة، يجعلنا رغم الزمن، وبسببه أيضا، نرى أن الشعار الذي وحد المغاربة ضد الاستعمار هو الذي وحدهم، بشكل أو بآخر، في 20 فبراير ضد الاستبداد والفساد. ناضل المغاربة، طيلة ما يقارب نصف قرن، ضد الاستعمار بمختلف الوسائل، بدءا من اللسان الذي يصدح بـ«اللطيف»، وانتهاء باليد التي تحمل الألوية السوداء، رمزيا، والسلاح عمليا. وكانت النتيجة الاستقلال عقب إيكس ليبان.  واستمر بعد ذلك النضال المغربي أزيد من نصف قرن، متحولا مع الزمان وإكراهاته: لقد ظل المغاربة يحملون السلاح مطالبين بتحرير كل الوطن، بما فيه موريتانيا، وكل الجيوب التي ظلت خاضعة للإسبان، حتى تم الإجهاز على المقاومة وجيش التحرير. لكن حلم حمل السلاح ظل قائما حتى أواسط السبعينات. وبعد انحسار التفكير «الثوري» في التغيير بالسلاح، حلت محله مقولة «الإصلاح الديمقراطي» التي تحولت إلى «المسلسل الديمقراطي» الذي كانت آخر حلقاته «حكومة التناوب التوافقي» التي أخلت، من خلالها الحركة الوطنية الديمقراطية، المجال لـ«النضالات» القطاعية والاحتجاجات المطلبية الخاصة التي لا تخضع لأي تأطير مؤسسي ذي خلفية نضالية تاريخية. وساهم التشرذم الحزبي والنقابي والجمعوي في إشاعة روح التشاؤم وفقدان الثقة. وفي هذا الوقت، كانت الأوضاع تزداد سوءا وعلى المستويات كافة، فبرزت تحت تأثير تداعياتها ظاهرة «الحريق» وقوارب الموت (الهروب من الوطن) على المستوى الداخلي.

على المستوى العربي والإسلامي، برزت ظاهرة الإرهاب، وكان “تفجير الذات” بالحزام الناسف بمثابة الهروب من الدنيا. ولعب تضافر الجهود الخارجية في التصدي للهجرة السرية والإرهاب والإسلام السياسي الذي ألقى بظلاله في هذه الصيرورة، فصار وكأنه الخطر الوحيد الذي يتهدد البلاد والعباد، وبقيت الحركات الاحتجاجية الخاصة التعبير عن رفض ما وصلت إليه الأمور.

ساهم النضال ضد المستعمر في ميلاد “الحركة الوطنية” التي عملت على تنظيم نفسها من خلال مؤسسات حزبية وسياسية وإعلامية لعبت دورا كبيرا في تأطير الجماهير وتعبئتها للانخراط في عملية دحر الاستعمار. وبمجيء الاستقلال، استمرت بعض تلك التنظيمات في الوجود، وتولدت من داخلها حركات تتلاءم مع طبيعة التطور. كما خرجت من داخلها تنظيمات أخرى على يسارها، مجربة تارة السرية وأخرى الشرعية. كما ولد النظام بدوره أحزابا موالية له مع التطور. وخلال هذه الصيرورة، تحول مفهوم السياسة وتصورها من أنها “بوابة” للاعتقال، إلى اعتبارها “مدخلا” للاستوزار، فكانت الانشقاقات المتلاحقة داخل مختلف المؤسسات الحزبية والنقابية. وجاءت انتخابات 2007 التي كانت اختبارا شعبيا حقيقيا للنخبة السياسية المغربية، حيث تم التعبير بوضوح عن رفض ما آل إليه المسلسل الديمقراطي برمته.

في هذه الصيرورة، تأتي 20 فبراير، وقد وصل العمل السياسي إلى الطريق المسدود بانتهاء الحركة الديمقراطية إلى الضعف والوهن. لقد أعادت الحركة الاهتمام، مرة أخرى، بضرورة الانخراط في العمل من أجل تحقيق المطالب، وكانت نتائج حراكها واضحة للعيان: تغير الدستور وتشكلت الحكومة الجديدة، وصرنا على عتبة حقبة جديدة، لكن المجتمع السياسي التقليدي، وإن شارك في التحولات الأخيرة، لم يأخذ مبادرة تجديد تصوراته وممارسته للانخراط الإيجابي في الصيرورة الجديدة. باستعادتنا التشبيه الذي قدمناه بين الحركة الوطنية وحركة 20 فبراير نتساءل: هل بإمكان الحركة أن تتحول إلى قاطرة حركة ديمقراطية جديدة تعمل من أجل دمقرطة المجتمع والدولة، وتنخرط فيها كل مكونات المجتمع السياسي، بوعي ديمقراطي جديد يأخذ بعين الاعتبار صيرورة تحول المجتمع المغربي منذ نضاله من أجل الاستقلال وتراثه النضالي من أجل ترسيخ القيم الوطنية والديمقراطية؟ إنه سؤال التاريخ والحاضر والمستقبل، وكل المكونات الوطنية والديمقراطية مدعوة للمشاركة في التفكير فيه بوعي ومسؤولية. ولعل الحركة أحرى بضخ دماء جديدة في هذه الصيرورة عبر قراءة موضوعية لتاريخ تطور المجتمع المغربي من أجل انخراط إيجابي في صيرورته وتحوله نحو تحقيق المطالب الوطنية والشعبية التي رفعها المغاربة في كل العصر الحديث.http://www.assabah.press.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=22869:-20-&catid=37:cat-laune&Itemid=782