«

»

من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي

من النص إلى النص المترابط

سعيد يقطين

صدر هذا الكتاب عن المركز الثقافي العربي ، بيروت الدار البيضاء ، 2005

وفيما يلي تمهيد الكتاب :

تمهيد

1 . صور جديدة للتواصل :

1 . 1 . يأتي هذا الكتاب  ” من النص إلى النص المترابط  : مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي ” امتدادا لكتاب ” الأدب والمؤسسة والسلطة ” ، وخاصة خاتمته المفتوحة (على سبيل التركيب) التي جاءت تحت عنوان ” الأدب ، المؤسسة ، الإعلاميات”.

   لاشك أن عنوان هذا الكتاب يثير بعض التساؤلات لدى القارئ الذي لما يتمكن من التواصل مع بعض الأنماط الإبداعية والأدبية التي بدأت تتبلور في أمريكا وأروبا وتنتشر في بقاع شتى من المعمور  ( ولا حظ لها في إبداعنا العربي إلى الآن )  منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين . لذلك يستدعي هذا العنوان بعض التوضيح :

ـ أما النص فلا شك أن لنا به معرفة ما ، وسيضطلع هذا الكتاب بتدقيق تحديده في ضوء المعارف الجديدة .

ـ أما ” النص المترابط ” فأستعمله كمقابل لـ” Hypertexte” ، وهو ” النص ” الذي نجم عن استخدام الحاسوب وبرمجياته المتطورة والتي تمكن من إنتاج “النص” وتلقيه بكيفية تبنى على ” الربط ” بين بنيات النص الداخلية والخارجية .

ـ أما ” الجماليات ” فمبحث يهتم بالأشكال الفنية وصورها وأبعادها الجمالية والاجتماعية .

ـ أما الإبداع التفاعلي فهو مجموع الإبداعات ( والأدب من أبرزها ) التي تولدت مع توظيف الحاسوب ، ولم تكن موجودة قبل ذلك ، أو تطورت من أشكال قديمة ، ولكنها اتخذت مع الحاسوب صورا جديدة في الإنتاج والتلقي .

1 . 2 . يدافع هذا الكتاب على أطروحة أساسية عليها مداره ، وهي مركز توجيه مختلف أبوابه وفصوله  .

    هذه الأطروحة هي : توظيف أداة جديدة للتواصل يؤدي إلى خلق أشكال جديدة للتواصل .

    أما الأداة هنا فهي ” الحاسوب ” ، وأما الشكل هنا أيضا فهو ” الإبداع التفاعلي”.

   غير أن ” الحاسوب ” ليس فقط ” أداة ” ، فهو في آن واحد : أداة ، وشكل ، ولغة ، وفضاء ، وعالم . فهو بمعنى آخر أشمل : منتوج وأداة إنتاج وفضاء للإنتاج وعلاقات إنتاجية. وكل هذه الأبعاد والدلالات التي تحملها مادة  ” ن . ت . ج ” تتحقق في ” الإبداع التفاعلي ” من خلال ” النص المترابط ” باعتباره هو أيضا وفي آن واحد : أداة للإنتاج (برنامج) وإنتاجا يتحقق من خلال النص (أيا كانت علامته : اللغة ، الصورة ، الصوت ، الحركة ) سواء جاءت هذه العلامات متصلة أو منفصلة .

    في هذا ” الإبداع ” التفاعلي يتحقق ” التفاعل ” في أقصى درجاته ومستوياته :

ـ  بين المستعمل للحاسوب والحاسوب من جهة ( لأن بينهما علاقة )،

ـ  وبين العلامات بعضها ببعض ( لكونها مترابطة ) من جهة ثانية ،

ـ  وبين المرسل والمتلقي ، حيث يغدو المتلقي للنص المترابط بدوره منتجا  ، بالمعنى التام للكلمة ،  من جهة ثالثة.

2 : الحاسوب والوسائط المتفاعلة :

2 . 1 .   في نظريات النص السابقة  على ظهور ” النص المترابط ” كنا نحدد أطراف ومكونات النص في ثلاثة أطراف هي : 1 . الكاتب ، 2 . النص ، 3 . القارئ .

    أما مع النص المترابط فتتحدد الأطراف على النحو التالي : 1 .  المبدع ، 2. النص المترابط ، 3 . الحاسوب ، 4 . المتلقي . ونلاحظ الحضور الأساس للحاسوب في هذه المعادلة التي بدونها يستحيل الحديث عن : ” النص المترابط ” بالصورة التي تبلورت باستخدام الحاسوب . فالحاسوب يحتل موقعا جوهريا في ” النص المترابط ” ، وفي الإبداع التفاعلي بوجه عام . إنه أداة الإنتاج والتلقي في الوقت نفسه . وبدونه يستحيل الحديث عن النص المترابط ، وعن الإبداع التفاعلي بصفتها شكلين إبداعيين جديدين من جهة أولى . ويتبين لنا ، من جهة ثانية ، من خلال توظيف الحاسوب ، كوسيط للإنتاج والتلقي معا ، أن هذا التوظيف لم يؤد فقط إلى ظهور نمط إبداعي جديد، ولكن أيضا ، وبالتلازم إلى بروز اختصاص جديد يتحدد عبر اشتغاله بهذا ” النص الجديد ” ، هو ما نسميه ” الوسائط المتفاعلة ” .

    لقد  جاء النص المترابط والإبداع التفاعلي تطويرا للنص والإبداع بمعناهما القديم ، كما أنهما تحققا ، في الصيرورة ، على أنقاضهما .

2 . 2 . لكل هذه الاعتبارات نرى ضرورة التفكير في النص الجديد ، وفي هذا الإبداع الجديد. ولا غرو أن البحث والتفكير فيهما لايمكنه أن يمر دون التفكير أو البحث في هذا الوسيط الجديد من جهة ، وفي دوره في ظهور وتجلي أشكال تعبيرية وتواصلية جديدة من جهة ثانية .

     وذلك ما حاولنا الاضطلاع به ، في هذا الكتاب ، من خلال خوضنا غمار البحث في طبيعة ” النص المترابط ” وفي الإبداع التفاعلي وفي شروط إنتاجه وتلقيه وذلك عبر تأطير كل ذلك في نطاق مانسميه ب” الوسائط المتفاعلة ” باعتبارها تتصل بالمجال الذي نؤطر ضمنه  الإبداع أو التواصل ( بين المبدع والمتلقي ) والذي يتحقق باستخدام الحاسوب .

    نقترح مفهوم ” الوسائط المتفاعلة ” من جهة أولى كمقابل لـ :

” mediated communicationـ Computer” ، ومن جهة أخرى كامتداد وتطوير للوسائط المتعددة (المذياع / التلفزة ،،، ) . وفي الصيرورة التي قطعها الإبداع الأدبي كامتداد وتطوير للشفاهية والكتابية  من جهة ثالثة .

    مع الوسائط المتفاعلة وقع التفاف وترابط بين :

1 . الوسائط المتعددة باعتبارها وسائط للتواصل بين الناس ( إنتاج المعلومات ونقلها  ) ، والتي لم يتم استثمارها في المجال الأدبي مثلا بصورة كبرى ، إذ بقيت الأجناس الأدبية التقليدية هي المهيمنة ( تلك التي تعتمد الشفاهية أو الكتابية ) ولم تستفد من هذه الوسائط نسبيا سوى الرواية من خلال تحويلها إلى السينما ، والمسرحية التي عرفت بعض تجلياتها الانتقال إلى التلفزيون أو الفيديو ، بينما اعتبرت الفنون التي توظف  الصورة  والصوت مثل السينما والدراما المتلفزة مثلا داخلة في نطاق الفنون البصرية .

2 . والوسائط المتفاعلة القائمة على أساس الحاسوب ، والتي صار الأدب بمقتضاها يوظف إلى جانب ” اللغة ” الصورة والصوت . لقد جاءت الوسائط المتفاعلة لتعيد إلى الإبداع ، وضمنه الأدب موقعه ضمن مختلف الوسائط ، وأدمجته في هذا السياق في الوسائط وقد صارت تفاعلية .

    لا يمكن لهذا ” التفاعل ” التام بين مختلف الأطراف المتفاعلة : المبدع ، النص المترابط ، المتلقي ، الحاسوب إلا أن يدفعنا إلى البحث والتساؤل عما أضافته هذه الوسائط المتفاعلة للإبداع والأدب ، وعما يمكن أن يجنيه المبدع والمتلقي من جراء تفاعلهما واستخدامهما لهذه الوسائط في التواصل ؟

    جعلنا مدار هذه الأسئلة هذا الكتاب الذي يرمي إلى تحقيق مقصد أساس هو دفع كل من المبدع والمتلقي العربيين إلى تكوين فكرة وتحصيل معرفة أولى عن النص المترابط ، وعن الإبداع التفاعلي وعن الوسائط المتفاعلة ، وإلى خوض غمار التجريب ، تجريب مغامرة جديدة في الإبداع والتلقي ، أي في التواصل . وإذا نجحنا في ذلك ، فمعناه أننا بصدد الدخول إلى حقبة جديدة من التفكير والبحث في : الإبداع والفن والأدب والنظرية الأدبية ، والمجتمع ، والتواصل ،،، وبتعبير آخر ، نكون أمام رؤية وممارسة جديدة للثقافة .

    إننا أمام إبدال جديد ، فهل نحن في مستوى التحدي ؟

الرباط في : 25 يناير 2000