«

»

الخطاب والنص من خلال أطروحة سعيد يقطين

الخطاب والنص من خلال أطروحة سعيد يقطين 

أحمد بلخيري

يتكون المتن الروائي الذي كان موضوعا للبحث والقراءة في كتابي “تحليل الخطاب الروائي (الزمن-السرد- التبئير) و “انفتاح النص الروائي (النص والسياق) لسعيد يقطين من :

– الزيني بركات: جمال الغيطاني.

– عودة الطائر إلى البحر: حليم بركات.

– أنت منذ اليوم: تيسر سبول (أردني).

– الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل: إميل حبيبي.

– الزمن المتوحش : حيدر حيدر.

إن المتن يختلف من حيث أمكنة انتماء أصحابه، وإن كانوا عرب، ولكنه يلتقي جوهريا في نقطة محددة؛وهو كونه ينتقد هزيمة 1967. وبذلك فهو صادر بعدها. ثم إن انتقاء واختيار هذا المتن بالذات له خلفيته المرجعية بالضرورة، إذ لا يعقل أن يكون هذا الانتقاء اعتباطيا.

سأقوم هنا باستجلاء المفاهيم المركزية والأدوات الإجرائية التي شكلت تصوره النقدي، مع إبداء بعض الملاحظات. وقبل الشروع في ذلك، لابد من تسجيل حقيقة مرتبطة بهذه الأطروحة، مؤداها أن الباحث الناقد قام من خلالها بما يمكن تسميته “النقد المزدوج”. ذلك أنه وهو يقوم بعرض واستعراض مختلف الآراء الغربية المتعلقة بحقل بحثه، وهو هنا السرديات عموما، لا ينطلق من اعتبار تلك الآراء حقائق مطلقة ومسلمات يقينية، هذه اليقينية التي تؤدي إلى الانبهار بهذا الغربي الأجنبي، وطمس كل اجتهاد شخصي ثم الذوبان، بل إنه يضعها في إطارها النسبي، مادامت تلك الآراء مستخلصة من نصوص غربية غير عربية. ثم إنه يقدم بين الحين والآخر، كلما اقتضى الأمر ذلك، انتقادات إلى بعض تلك الآراء والمنطلقات. أورد على سبيل المثال ما يلي: ” إن شلوميت تبدو لنا وفية لمنطلقاتها التي حاولنا الإشارة إليها في المخل الخاص بالخطاب، وإن كنا نلاحظ نوعا من الخلط بين المستويات وأطراف الحكي الثلاثة (القصة، النص، السرد). إنها بصدد كل عنصر أـو مكون من العناصر أو المكونات التي تحلل نجدها تخلط بين ما هو بنيوي وما هو وظيفي. عكس ما نسير عليه نحن في عملنا عن طريق تمييز المستويات عن بعضها (صرفي-نحوي-دلالي)(ص/12).

وحتى حينما يحصل تلاق بين تصوره وأحد التصورات الغربية، مثلما هو حاصل بالنسبة لتصور زيما، فإنه يستلهمه دون أن يقوم بإسقاطه على النصوص العربية، نظرا لخصوصيتها وتطورها التاريخي (ص/131). رغم أن هذه الخصوصية المتحدث عنها هنا، وهذا التطور التاريخي اللذين يشكلان مجال افتراق واختلاف بين النص العربي والنص الغربي غير محددين، ربما لأن ذلك خارج عن مهام الأطروحة.

أما عن الجانب الثاني المتعلق ب “النقد المزدوج” فهو يتعلق بنقد “القراءة المغلقة” حسب اصطلاحه. إذ بعد إثبات عينات من النقد الروائي العربي مرتبطة بتلك القراءة، يعلق عليها قائلا:”وهذه الاستعمالات جميعا لاتقف على تمفصلات البناء الداخلية (النحوية) و(الدلالية) لاعموديا ولا أفقيا كما تتجلى في النص نفسه. إنها جميعا نتائج خلفية ثابتة ومنغلقة تقيس الشاهد النصي على الغائب النموذجي المتبنين” (انفتاح النص الروائي. ص/53).

لقد تم تقسيم الأطروحة إلى كتابين، تكفل الأول بتحليل الخطاب، بينما تكفل الثاني بتحليل النص وانفتاحه. فماهو إذن الخطاب؟ وما هو النص؟ ثم ماهو مدلول الانفتاح؟.

إن المدخل الذي تصدر الكتاب الأول تم فيه استعراض جملة من الانجازات بدء من الشكلانيين الروس الداعين إلى “الأدبية”، ثم انتقل إلى استعراض أدوات تحليل الخطاب الروائي من لدن نقاد غربيين عديدين. ويهمنا بالتحديد تصور سعيد يقطين، الذي ميز بين القصة والخطاب. هذا التقسيم يوازيه ثلاثي آخرمستمد من اللسانيات وهو: الصرف، النحو، الدلالة. وإذا كانت السرديات البنيوية الشكلية تقتصر في تحليلها على المستويين الصرفي والنحوي أي القصة والخطاب، فإن الناقد، وانطلاقا من قناعته، يرفض الاقتصار على ذلك. فيلجأ إلى توسيع الاشتغال، الذي يشمل عنده العنصرين السابقين، القصة والخطاب، إضافة إلى النص. وهذا يعني أن الخطاب ليس هو النص. ولقد سجل هو نفسه كون النص ليس مرادفا للخطاب حسب تصوره، مخالفا بذلك السرديين الذين كانوا يطابقون بينهما. وعليه، فإن المستوى النحوي يتعلق بالخطاب، حيث تدرس العناصر التالية: ا-الراوي، الموروي له. ب- الزمن. ج- صيغ الخطاب. د- الرؤية/الصوت. بينما المستوى الدلالي يتعلق بالنص، حيث تدرس العناصر التالية: ا- الكاتب، القارئ. ب- البناء النصي. ج- المتعاليات النصية. د- الرؤيات، البنيات السوسيولسانية. كل ذلك حسب خطاطة مثبتة في الكتاب الأول (الخطاب الروائي. ص/53)

إن القصة ليست هي الخطاب، كما أن الخطاب ليس هو النص. إن القصة هي “المادة الحكائية” التي يبنى انطلاقا منها الكاتب الروائي الخطاب. وهذه المادة الحكائية قد تكون تاريخية، كما هو الشأن بالنسبة للزيني بركات، أو أسطورية أو واقعية.. والزمن في القصة خطي متسلسل. والروائي حينما يعتمد على هذه المادة الحكائية فإنه يقوم ب “تخطيبها” أي بتحويلها من قصة إلى خطاب. يتجلى ذلك مثلا في تقنية “اللعب” السردي، وكذلك “اللعب” بالزمن. إن الزمن في الخطاب يكتسب دلالة جديدة مغايرة لزمن القصة. أما زمن النص فهو يتكون من زمنين، زمن الكتابة وزمن القراءة. وبناء على ذلك، حلل الباحث في الكتاب الأول ليس زمن القصة بل زمن الخطاب، الذي هو في هذه الحالة خطاب روائي. وكان التحليل في هذه النقطة تحليلا مفصلا ودقيقا. وعلاوة على تحليل زمن الخطاب الروائي فقد حلل أيضا تعدد صيغ الخطاب التي منها ما هو مسرود، أو معروض، أو منقول. ثم انتقل إلى الرؤية السردية وتفريعاتها وتفصيلاتها.

لقد تم تحليل الجوانب البنيوية الشكلية في الكتاب الأول الخاص بالخطاب الروائي دون الالتفات إلى دلالته. وهو هنا منسجم مع تصوره الراغب في توسيع مجال السرديات دون حصرها في نطاق الخطاب، والراغب أيضا في التمييز بين الخطاب والنص. إلا أن هذا التوسيع عنده لا يكون إلا بعد تحليل الخطاب من الداخل دون إسقاط خارجي. وهذا يعني أنه ضد البنيوية الشكلية من جهة، التي تقتصر تحليلاتها حسب اصطلاحه على الخطاب. وضد إخضاع النص لتصورات قبلية جاهزة تقوم بها قراءة منعوتة من قبله بكونها منغلقة، تحاكم النص محاكمة سوسيولوجية تبسيطية وإسقاطية، موصوفة بكونها عقيمة. وإذا كان الخطاب الروائي ينتمي إلى السرديات ، فإن النص الروائي ينتمي إلى السوسيوسرديات. والبويطيقا الأدبية تشملهما معا، بالإضافة إلى نظرية الأنواع الأدبية وما يدخل في هذا النطاق.

وبناء على ذلك، فإن الانتقال من السرديات إلى السوسيوسرديات هو انتقال من الخطاب إلى النص والعكس صحيح، أي أن الانتقال من الخطاب إلى النص هو انتقال من السرديات إلى السوسيوسرديات.

يلاحظ الباحث أن زمن القصة قبلي وخارجي، لأنه مرتبط بالمادة الحكائية قبل “تخطيبها”. أما زمن النص فاه بعدان، بعد أول يتعلق بالكتابة أو الخطاب الروائي، وهو آني وداخلي. والنتائج المحققة على هذا الصعيد تكون أكثر علمية(انفتاح النص الروائي.ص/50) حين مقارنتها بنتائج البعد الثاني من زمن النص، المتعلق بالقراءة التي هي بعدية وخارجية. منطلق هذه الملاحظة من قبل الباحث هو أن النص الروائي يخضع لقراءات شتى. يقول:”إن بناء النص من خلال فعل القراءة مفتوح ومتعدد بتعدد أزمنة القراء ويرتهن إلى نوعيات القراء ودرجاتهم وخلفياتهم النصية” (ص/21).

انطلاقا من ذلك، أي تعدد القراء، ما هي أدوات قراءة الباحث للنص الروائي؟. لقد خصص الفصل الأول من الكتاب الثاني، المتعلق بانفتاح النص، لدراسة بناء النص على مستوييه الداخلي والخارجي. بالنسبة للمستوى الأول توصل إلى نتائج، منها: “إن زمن القصة يبدو رغم إدراكنا كقراء بأنه منته، من خلال بعض الإشارات الموحية إلى ذلك، والتي حاولنا الوقوف عندها، يبدو وكأنه يجري أمامنا “هنا والآن”: ترهين قصة الحياة والمادة التاريخية، يجلي لنا الدور الإنتاجي للنص على الصعيد الزمني” (ص/58). علاوة على تكسير البناء الخطي، “اللعب” الزمني.. تظل النتيجة الرئيسية على هذا الصعيد هي أن مهمة الخطاب ترمي إلى انتشال القصة من الماضي إلى الحاضر. وعليه، فإن “الزيني بركات” مثلا رغم أنها تنبني على مادة تاريخية فإن دلالتها متصلة بالحاضر، والتاريخ في هذه الحالة ليس إلا إطارا. والنص الذي يرتبط بالحاضر وليس بالماضي تم البحث فيه على العناصر التالية:

1- البناء على مستويين داخلي وخارجي.

2- التفاعل النصي. ثم البحث فيه عن البنيات النصية ، والمتفاعلات النصية وأنواع التفاعل النصي وأشكاله ومستوييه.

3- البنيات السوسيونصية، حيث جرى البحث عن البنيات الاجتماعية داخل النص، والنص والبنية السوسيونصية حيث كان البحث عن البنيات الاجتماعية داخل النص، والنص والبنية السوسيونصية، وأخيرا الرؤية والصوت في النص. إن هذا التقسيم الثلاثي متطابق مع تقسيم الكتاب الثاني إلى فصول ثلاثة. ويمكن من خلال مايلي حصر مجال البحث في النص وليس في الخطاب في:

أ‌- البناء النصي: – مستوى داخلي. – مستوى خارجي.

ب‌- التفاعل النصي: – البنيات النصية – المتفاعلات النصية- أنواع التفاعل النصي- أشكال التفاعل النصي ، ومستوياه.

ت‌- البنيات السوسيونصية: -البنيات الاجتماعية في النص – النص والبنية السوسيونصية – الرؤية والصوت في النص.

لاشك أن الكلمة التي تتكرر كثيرا هي كلمة النص وما يتفرع عنها، وسأعود إلى هذه الملاحظة لاحقا.

بالنسبة للمستوى الداخلي المتعلق بالبناء النصي تم تقسيم الزمن إلى ثلاثة أزمنة هي: زمن القصة، زمن الخطاب، و زمن النص. ذلك أن زمن القصة كما سبقت الإشارة خطي ومتسلسل، بينما زمن الخطاب قد لا يكون كذلك. إذ يمكن أن يبدأ الخطاب من نهاية زمن القصة، وعن طريق الاسترجاع مثلا يمكن استحضار بداية زمن القصة. وعن طريق ذلك يتم، كما سبق القول، “تخطيب” القصة. ثم إن النص وهو يبنى من قبل الكاتب “وفق هذا الشكل ينتج عالما زمنيا جديدا، ومن خلاله عملية الإنتاج هاته يقدم دلالة معينة” (انفتاح…ص/55). هذه الدلالة مرتبطة بزمن النص، وهو الحاضر، لذلك تتردد كثيرا كلمة “ترهين” الدالة على هذا المعنى الجديد بالمقارنة مع المعنى القديم المرتبط بزمن القصة.

إذا كان المستوى الداخلي قد تم فيه تحديد مستوى من مستويي زمن النص، فإن المستوى الخارجي تم تقسيمه إلى زمنين هما زمن الكتابة وزمن القراءة. وقد أبدى الباحث الملاحظة التالية، وهي أن زمن الكتابة محدود، بينما زمن القراءة غير محدود، لأن النص الواحد قد يخضع لقراءات متعددة. وكل قراءة إما أن تكون قراءة منفتحة أو قراءة منغلقة حسب الباحث، كما هو الشأن تماما بالنسبة للنص الذي قد يكون نصا منغلقا أو منفتحا. ومن خلال مفهومي الانغلاق والانفتاح تم وضع تقسيم رباعي يتعلق بالنص والقراءة (انفتاح …ص/77). وهو يميل حسب تصوره إلى القراءة المنفتحة. هذه القراءة هي بالذات التي ترفض رفضا مطلقا كل وثوقية وكل قراءة أحادية. يتجلى هذا الانفتاح في قول الباحث مثلا: “إن بناء النص من خلال فعل القراءة مفتوح ومتعدد بتعدد أزمنة القراءة والقراء ويرتهن إلى نوعيات القراء ودرجاتهم وخلفياتهم النصية” (ص/51). هذا بالنسبة للقراءة المنفتحة، وعن طريقها يفهم نقيضها: القراءة المنغلقة. والنص يكون منغلقا حينما يعيد نفس القيم النصية السائدة. (الأمر هنا لا يتعلق بالقيم الاجتماعية بل بالقيم الجمالية).

بعد أن حدد العلاقة القائمة بين الصيغ على مستوى الخطاب، والبنيات النصية على مستوى النص، حاول الباحث إظهار الفرق الحاصل بين مفهوم “التفاعل النصي” و “التناص”، فأعلن عن كونه يفضل استعمال التفاعل النصي بدلا من التناص، لأن هذا الأخير ليس سوى جزء من السابق لأن التفاعل النصي أشمل.

وفي إطار البنيات النصية، التي تدخل ضمن التفاعل النصي، تم تحديد سمات بنيتين نصيتين خضع لهما، ليس المتن المدروس فحسب، بل “البنية النصية الأدبية المعاصرة” (ص/104). هاتان البنيتان هما: “هيمنة النص الشعري الجديد” ثم هيمنة بنية ايديولوجية جديدة، مفرداتها تتكون من : القومية، الماركسية، الوجودية، التحرر العربي…(ص/105).

أما المتفاعلات النصية، فقد تم تقسيمها إلى قسمين، أحدهما معاصر قسم بدوره إلى التاريخي، والإعلامي، والأدبي الثقافي؛ والقسم الثاني قديم، قسم كذلك إلى التاريخي، والديني، و الأدبي سواء كان شفويا أم مكتوبا. وقد لاحظ الباحث تقلص التفاعل مع المتفاعلات الدينية في المتن المدروس، إلا حينما يتم “ترهينه” واقعيا. يقول: “في المتفاعلات الحديثة لا نجد التفاعل يتم مع المتفاعلات الدينية كما رأينا إلا كونها مرهنة واقعيا…” (ص/108).

أما أنواع هذا التفاعل النصي فقد جرى تقسيمها إلى:

1- المناصة Paratextualité: يعرفها الباحث بما يلي: “إن المناصة هي عملية التفاعل ذاتها. وطرفاها الرئيسيان هما النص والمناص Paratexte. وتتحدد العلاقة بينهما من خلال مجيء المناص كبنية مستقلة ومتكاملة بذاتها” ( انفتاح النص الروائي. ص/111). إذن هناك علامتان تميزان المناص، هما الاستقلال والتكامل. ومن خلالهما يصح اعتباره بنية. وداخل النص الأصلي يوجد المناص إما موضوعا بين مزدوجتين، أو هلالين، أو معقوفين الخ… هذا عن المناص الداخلي، وهو الذي تم بحثه؛ أما المناص الخارجي كالعناوين فقد تمت الإشارة إليه.

2- التناص Intertextualité: إن الفرق بين المناص والتناص هو أن الأول، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، يأتي مستقلا عن النص من حيث بنيته؛ أما التناص فهو مندمج في النص. وبسبب هذا الاندماج يصعب ضبطه في النص. فضلا عن كون القراء يختلفون في تحديده “بحسب نوعية خلفايتهم النصية”. وهو إما خارجي أو داخلي. ووظيفته الأساسية هي إما التحويل الذي تنتج عنه دلالة جديدة، أو التضمين الذي يؤكد المعنى.

3- الميتانصية Métatextualité: يقول الباحث: “تشبه الميتانصية كعلاقة بين النص والميتانص من حيث طبيعتها التركيبية والبنيوية المناصة. إلا أن نوع التفاعل يختلف بينهما دلاليا، في الميتانصية نجد التفاعل يقوم على أساس النقد أي أن الميتانص يأتي نقدا للنص” (ص/118). إذن رغم التشابه الحاصل بين الميتانصية والمناص، إلا أن الفرق يكمن في كون المهمة الأساسية للميتانصية تكمن في نقد النص من الداخل.

أما أشكال التفاعل النصي، فقد تم حصرها في شكلين هما: التفاعل النصي الداخلي والتفاعل النصي الخارجي. والفرق بينهما لا يتعلق بداخل وخارج النص، ولكن بالزمن. ذلك أن التفاعل النصي الداخلي هو تفاعل نص الكاتب “مع نصوص كتاب عصره. سواء أكانت هذا النصوص أدبية أو غير أدبية” (انفتاح…ص/100). أما التفاعل النصي الخارجي فهو “حينما تتفاعل نصوص الكاتب مع نصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة” (انفتاح…ص/100). إن التمييز بين الداخل والخارج هنا إذن ليس نصيا ولكنه زمني.

لقد حاول الباحث جاهدا الانفلات من أسر نظرية الانعكاس، كما أنه أعلن اختلافه مع البنيوية التكوينية. وهذه الرغبة في الانفلات، وهذا الإعلان عن الاختلاف أيضا، يقف وراءهما تصور يمتد إلى الشكلانيين الروس والإنجازات التي تحققت بعد إنجازاتهم. لكن تصوره لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى سوسيولوجية تسمى بسوسيولوجيا النص حسب اصطلاح بيير زيما، الذي يعلن الباحث استفادته منه. لكن هذه الاستفادة لا تعني مطابقة تصوره لتصور زيما. وعليه، فإنه يتخذ موقفا من البنيوية الشكلية انطلاقا من زيما، ويتخذ موقفا من زيما انطلاقا من البنيوية الشكلية.

لقد تم إفراد الفصل الثالث والأخير للحديث عن البنيات السوسيونصية، أي البحث عن الاجتماعي في النصي. ومن نتائج هذا الفصل ما يلي: “إن الشخصيات “الثقافية” تقدم لنا صورا واقعية وتاريخية عن “المثقف” العربي الحديث، وهو يعيش التمزق الداخلي بين عالم متناقض، عالم قيم مترسبة في أعماقه، ويحاول التمرد عليها بوعيه بها، وعالم يتمسك بهذه القيم ويحاربه بها. وينتج عن هذا التناقض القائم: الإحساس بالتغرب والرفض وبالتالي المعاناة، هذه الصورة تنضاف إليها صور أخرى عن شخصيات نسائية وذكورية سواء في هذا الموقع الاجتماعي أو ذاك. إنها جميعها نتاج المجتمع العربي الحديث الذي أنتجت في إطاره هذه النصوص” (ص/142). ماذا تعني هذه النتيجة؟ هذا سؤال يبدو لي جوهريا، لأنه يتعلق بالتصور كله. ذلك أننا إذا تأملنا سائر المصطلحات المستعملة سواء في تحليل الخطاب أم في تحليل النص، نجدها إما مقترنة بالخطاب كالصيغة مثلا… أو بالنص الذي تفرعت عنه مصطلحات عديدة كلها مقترنة به. ولقد تم تسجيل هذه الملاحظة مباشرة بعد التقسيم الأول السابق الذكر. كما طرح سؤال يتعلق بدلالة “انفتاح النص” حسب هذا التصور. واستنادا إلى المصطلحات المستعملة، فإن النص منفتح. ولكن على أي شيء؟ إنه منفتح على نصوص أخرى متعددة الأشكال والأنواع. فالانفتاح إذن نصي وليس سوسيولوجيا خالصا. لكن يبدو لي أن الشخصيات “الثقافية”، التي هي هنا نصية، انعكاس لوضع قائم حينما تقدم صورا واقعية وتاريخية ، لأنها “نتاج المجتمع العربي الحديث الذي أنتجت في إطاره هذه النصوص” (انفتاح…ص/142).

صفوة القول، إن المماثلة والانعكاس يبدو أنهما حاضران حسب اعتقادي، رغم انتقاد منطلقاتهما نظريا. والباحث نفسه يؤكد ذلك حينما يقول: “فالكاتب يتفاعل مع محيطه الاجتماعي الذي يعيش فيه، لذلك فحضور البنية الاجتماعية وارد بشكل كبير في النص الروائي، وهنا نسجل صلة النص بالمجتمع، لكنه (الحضور) يتم من خلال الإنتاج النصي، وهنا نسجل الطابع الذاتي للنص” (ص/142). إن المراد من الإنتاج هو جمالية الكتابة وتقنياتها التي تضمن فرادة النص وذاتيته. وعن طريق هذه الجمالية “تتحقق إنتاجية النص وإلا تحول النص الأدبي إلى وثيقة تسجيلية يبحث فيها المؤرخ لا القارئ” (ص/142). إن هذا الاستنتاج الأخير لاشك فيه. وهو يعزز ما سبقت الإشارة إليه، أي حينما يتجرد النص من جماليته يصبح وثيقة تاريخية. وما كان له أن يصير وثيقة، بعد تجرده من جماليته، لو لم يكن مرتبطا بالبنية الاجتماعية. أما نوع هذا الارتباط فهو، رغم تحفظات الباحث العديدة، وانطلاقا من نتائجه السابقة، الانعكاس المرفوض نظريا، بناء على انتقادات لاشك في أهميتها. إلا أن هذا الانعكاس ليس آليا (ميكانيكيا).

وفي الختام، لابد من الإقرار بجدية هذه الأطروحة التي عززت ، بطريقة إيجابية، مكتبة النقد الروائي المغربي خاصة، ومكتبة النقد الروائي العربي عامة. كل ذلك بفضل الجهد المبذول من صاحبها واستيعابه العميق. كما تكمن أهمية هذه الأطروحة في كونها زاوجت بين التنظير والتطبيق. وأود حين إعادة طبعها الالتفات إلى بعض الأخطاء المطبعية التي يقف عندها القارئ بكل سهولة، بله الباحث المتمكن الأستاذ سعيد يقطين.

* المقصود أطروحة سعيد يقطين الأولى المكونة من كتابين هما: “تحليل الخطاب الروائي: الزمن-السرد-التبئير” و “انفتاح النص الروائي: النص والسياق”. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب. ط/1. 1989.

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/05/31/90794.html