«

»

البحث في نوعية السيرة الشعبية وحكائيتها

(من أجل وعي جديد بالتراث السردي)

                                                                                                                  د . محمد الداهي

1 . تقديم

2 .  تغيير زاوية النظر إلى التراث .

3 . جنسية السيرة الشعبية ونوعيتها .

4 .  القصة، الخطاب، النص .

5 . الصوى المنهجية .

1. تقديم  :

يستمد كتابا (1) الباحث والناقد سعيد يقطين  نسغهما من كتاباته السابقة،وهو ما يبين أنه يبني مشروعه النقدي والشعري سافاً من فوق ساف لرد العجز على الصدر، ولجعل مختلف الحلقات التي يتشكل منها هذا المشروع متكاملة ومترابطة. ومن بين المفاصل التي يعتمد عليها سعيد يقطين في تسدية ولحم مختلف تجاربه  في البحث والتنقيب والمساءلة، نذكر على سبيل المثال مفصل الرؤية إلى التراث العربي الإسلامي،ومفصل تعميق تصور منهجي حول السرديات بوصفها علما كليا. فقد سبق لسعيد يقطين أن وضح موقفه من التراث في كتابه الرواية والتراث السردي(1992)، لما أكب على معالجة التعلق النصي بين الرواية والتراث السردي العربي القديم.لقد توخى منه الباحث  تجاوز المنظور الاسترجاعي(القيام برد فعل على البنيوية) والاستبعادي(تم تعويض الاهتمام بالتراث الأدبي-النقدي بالاتجاهات الغربية مع الماركسية ثم مع البنيوية) لإقامة تفاعل إيجابي وفعال مع التراث، وتجديد الأدوات والإجراءات والأسئلة للتحدث فيه بدلا من التحدث عنه النتاج معرفة جديدة وأصيلة، ولتحديد الأوليات والأسس بناء على إستراتيجية واضحة وجديدة، ولتحيين مختلف الأسئلة المغيبة والمسكوت عنها ولترهين نصوص عديدة مازالت لم تقرأ ولم تدرس دراسة المتنخل لها المتعرف لدخائلها رغم كثرة تداولها من طرف فئات واسعة من القراء. وهكذا يتبين أن سعيد بقطين  ينطلق من وعي جديد لإثارة جملة من القضايا مازالت مطروحة بإلحاح ،ومن بينها قضية تعريف الأدب وأجناسه وأنواعه وأنماطه، وبيان وظيفته وطبيعته، واستنتاج بنياته الثابتة والمتحولة والمتغيرة. وهذا هو المنطلق الذي تحكم في كتابيه الجديدين اللذين كرسهما عموما للبحث في التراث السردي القديم من  منظور جديد ،وخصوصا لإعادة الاعتبارللسيرة الشعبية، وذلك بتحديد جنسيتها ونوعيتها وتحليل بنياتها الحكائية.

      في ما يخص الجانب المنهجي ، فقد سبق لسعيد يقطين في كتابيه  تحليل الخطاب الشعري،وانفتاح النص الروائي (1989) أن قدم تصورا منهجيا حول الخطاب الروائي  والنص الروائي على نحو يمكن الانتقال من البنيوي إلى الوظيفي، ومن المستوى اللفظي (السرديات) إلى المستوى الدلالي (السوسيو سرديات).يأتي  كتابا سعيد يقطين لتتمة المشروع السردي وذلك بتدارك ما يهم مستوى القصة أو المادة الحكائية التي تبحث خاصة في الحكائية( مجموع الخصائص التي تلحق أي عمل حكائي بجنس محدد هو السرد)،وبتقديم تصورشمولي للسرديات بوصفها علما كليا ينفتح على السرد أينما وجد، ويستفيد من منجزات “السيميوطيقا السردية”، ويستثمر مختلف عطاءات العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهكذا أعاد سعيد يقطين تصوره للسرديات من خلال تجسيد مختلف المقولات الحكائية التي تشتغل بها ،وتوضيح فروعها الثلاثة المتكاملة والمتداخلة ،وهي سرديات القصة التي تركز على الحكائية مبينة تميزها داخل الأعمال الحكائية المختلفة من خلال الاشتغال على المقولات التالية: الأفعال والفواعل والزمان والمكان ؛ ثم سرديات الخطاب التي تهتم بالسردية التي بواسطتها تتميز حكائية عن أخرى،وتختلف الخطابات وأنواعها بحسب تباين طرائقها في عرض الأحداث، وترهين المقولات  التالية: الزمان والصيغة والتبئير؛ ثم سرديات النص التي تعتني بنصية النص السردي ،وتحدد و”حدته” وانسجامه في علاقته بالمتلقي في الزمان والمكان،وتموضعه في نطاق البنية النصية الكبرى التي ينتمي إليها،وتشتغل بالمقولات التالية التي يتمفصل إليها العمل الحكائي:(الكاتب/المؤلف) و(القارىء/السامع) والزمان والفضاء. وتعتبر هذه الاختصاصات السردية متكاملة ومترابطة عضويا في إطار علم شامل يسمى السرديات،وإن  كان كل اختصاص يهتم بجوانب معينة،ويتشخص عبر مقولات ومفاهيم محددة، ويتطلب طريقة خاصة للاشتغال عليه .وفي مستهل  كتاب قال الراوي  المخصص لتحليل البنيات الحكائية، بين سعيد يقطين أنه يروم تحقيق جزء من ذلك التصور السردي من خلال البحث في “البنيات الحكائية”  مؤجلا الخوض في البنيات الخطابية والنصية إلى كتاب آخر.

  سأبتدر  بإضاءة  ثلاثة محاور تبدو لي أساسية في الكتابين الكلام والخبر،وقال الراوي، مبتدئا ببيان كيف تعامل سعيد يقطين مع التراث بصفة عامة والتراث السردي بصفة خاصة، ومثنيا بتوضيح المنطلقات المنهجية، ومثلثا بإعطاء نظرة عن كيفية الاشتغال على الحائية وبناتها الوظيفية والرمانية والفضائية. ومع ذلك أشعر أنني سأقوم بعمل برقصتي لأنني مهما حاولت أن أبين المفصلات الكتابين وقضاياهما، فإنني لن أستوفي حقها نظرا لكثرتها وتشعبها وانبنائها على أسس دقيقة وحجج محكمة مغرقة في الجزئيان التي يتطلبها البحث العلمي للتدليل والبرهنة على المسائل المعالجة، والتأكد من صحة الفروض أومن عدم صحتها.

 2. تغيير زاوية النظر إلى التراث

إن التعامل مع السيرة الشعبية بوصفها شكلا سرديا تراثيا، اقتضى من الباحث سعيد يقطين أن يتخذ موقفا واضحا من التراث، ويختار زاوية النظر الملائمة لمعاودة التفكير في بعض قضاياه ومكوناته وروافده. لقد تدرع سعيد يقطين منذ البداية بالعدة المفاهيمية اللازمة لضمان الفهم السليم والتفكير الدقيق والقراءة القويمة للتراث. فإعادة قراءته لاتعد مزايدة أيديولوجية أو ترفا فكريا، بل مدعاة لتشكيل وعي جديد بالمقومات الذاتية للأمة العربية وبإمكانات العمل المستقبلي. ولايمكن أن تستقيم القراءة العلمية للتراث إلا باتخاذ مسافة نقدية منه، وبإطراح السائد من المعتقدات والجاهز من التصورات والأجوبة، وبالبحث فيه عن ما كان يمكن أن يقال أو على الأقل ما كان يمكن أن يقال الآن، وهذا ما شخصه إمبرطو إيكو في قوله:” إن العمل على تطوير الفكر لايعني رفض الماضي بالضرورة، إننا نعيد فحصه ليس فقط بهدف معرفة ماقيل فعلا،ولكن أيضا بهدف معرفة ما كان يمكن أن يقال، أو على الأقل ما يمكننا قوله الآن…بناء على ماقيل سابقا”.إن البحث في التراث كما نريده أن يكون لايتطلب الارتياح إلى الأجوبة المسبقة، بل يتطلب الانطلاق من صياغة فرضيات محكمة،ومن رؤية وأسئلة جديدة. وهذا ما تطلب من سعيد يقطين أن يميز طريقته في التعامل معه عموما ومع السيرة الشعبية خصوصا عن طريقة الباحثين العرب والمستشرقين.تنبني طريقته على الملاءمة العلمية ( الموضوع العلمي بلغة بيير بورديو) التي تنطلق من إجراءات ومن أسئلة محددة ودقيقة ،وترمي إلى البحث في الموضوع للحصول على معرفة جديدة ومختلفة، أما طريقة الآخرين التي تتحكم فيها الملاءمة الاجتماعية (الموضوع الإيديولوجي بلغة بيير بورديو)، فهي تنطلق من مسلمات موجودة سلفا مما يجعلها تعيد انتاج وترهين حقائق موجودة قديما.

 وبتتبعنا للصوغ الإجرائي لطريقة سعيد يقطين، يتبين لنا  أنها مبنية (إضافة إلى شِكة أدوات الانفصال) على مقاييس النقد المزدوج الذي ينهال على العرب والغرب على حد سواء تجنبا للتقديس الذي يترتب عليه الاجترار والتكرار” إن المشكل الذي وقعنا فيه هو أن علاقتنا بالموروث الثقافي العربي كانت تقديسية سلبا، فلم نعد إليه بهدف البحث والتنقيب فيه بجدية وعمق بهدف التطوير والإغناء، كما أننا في حال رفض المرجعية القديمة ذهبنا إلى استنساخ ما في الموروث الثقافي الغربي بنظرة تقديسية مماثلة ، فكان الاجترار والتكرار»ص171. وتبنى طريقا وسطا( التفاعل الإيجابي) يستأنس فيه بالطريقتين للإفادة من كل القضايا الهامة، ويجدد علاقته بهما على قاعدة الحوار العميق الرامي إلى التأصيل والإبداع ،بعيدا عن أية عقدة ثقافية أو حضارية. ومن الإجراءات التي اضطلع بها قبل مباشرة التحليل، هو معاودة النظر في بعض المفاهيم المستعملة والرائجة التي أصبحت مشحونة  بدلالات تحول دون وصف ومعاينة الظاهرة كماهي، وبالتالي تعيق البحث العلمي. فبما أن مفهوم التراث يتضمن إيحاءات إيديولوجية فإن سعيد يقطين وضع محله مؤقتا مفهوم لايقل عنه إبهاما وشمولا،وهوالنص ؛ وذلك للا عتبارات التالية:

                                                1.إن النص لازمني بسبب انتفاء البعد الزمني منه.فما هو ثابت فيه هو النصية التي تتغير مع الزمن آليات الاشتغال عليها.فالنص يظل موجودا بغض النظر عن العصر الذي برز فيه.وفي هذه الحال ينبغي الكشف عن نصية النص بصرف التركيز عن الفرق.

                                                2.إن البحث في النص على المستوى النظري، يتحدد بناء على تحديد الموضوع ومكوناته وعناصره وجنسيته ونوعيته ونمطيته كيفما كان العصر الذي ظهر فيه أو طبيعة الثقافة التي ينتمي إليها.

                                                3.تقتضي نظرية التفاعل النصي معاينة تفاعل النص مع نصوص أخرى ومع أجناس مختلفة،ظهرت في الفترة نفسها أو في فترات سابقة أو لاحقة.

 تعامل سعيد يقطين مع السيرة الشعبية بوصفها نصا يخضع لاستعمالات جديدة تنزاح به عن الاستعمالات القديمة، وباعتباره نصا له خصوصيته ضمن النص العربي العام، وبكونه تجسيدا لنصية جديدة ظلت مهملة ومقصاة من دائرة الاهتمام والاستقصاء. إن البحث في النصية جعل سعيد يقطين يثير من جديد إشكالية النص واللانص لتحديد الأسباب والعوامل التي حكمت على السيرة الشعبية بالتهميش والإلغاء خلال فترات طوال إلى أن أعيد لها الاعتبار حديثا لما فطن الغرب إلى قيمتها، فاعتبرها نصا قمينا بأن تتحمل المشاق وتصرف الأموال من أجل العثور عليه وجمع رقاعه وترجمته ودراسته. وهكذا استطاع هذا النص أن يتحرر  أخيرا من إسار التهميش، ويستقطب مهتمين وجمهورا، ويتبوأ مكانة متميزة، ويحفز الوراقين والناشرين على نسخه وترويجه.

وبما أن مفهوم النص يحمل دلالات جديدة ،و يتنوع بتنوع المشتغلين به لغة واصطلاحا، وبما أن القدامى ضمنوه دلالات خاصة ، فإن سعيد يقطين أحل محله مفهوم الكلام ، بحكم استجابته لمختلف القضايا التي يريد إثارتها، ودقته في الاستعمال العربي والغربي بشكل أكثر من العديد من المفاهيم الجديدة التي فرضت نفسها في الاستعمالات السائدة .” سنوظف الآن مفهوم “لكلام”حل “لنص”كما أحللنا “لنص”محل “لترات”، ونظل نتدرج وصولا إلى استرجاعه وتوظيفه محملا بدلالات جديدة مستمدة من علاقته ب” الكلام”. وعندما نستعمل “النص” أو”اللانص” هنا فإننا نحمله دلالة مفهوم “الكلام” كما هو عند العرب” ص53. ومن خلال سيرورة البحث، يتضح أن الباحث لم يستغن قطعا عن النص، بل أجل النظر فيه بحثا في الكلام، بما أنه يظهر في تجليات عديدة ومتنوعة فإن سعيد يقطين آثر أن يطرح معضلة الجنسية في علاقتها بالنصية، ويبحث في خصوصية السيرة الشعبية متنقلا من العام إلى الخاص، ومن المجرد للتأكد من صحة الفرضيتين المنطلق منهما : كون السيرة الشعبية نوعا سرديا له خصوصيته وتميزه عن باقي الأنواع السردية العربية، واعتبارها نصا ثقافيا تتفاعل مع مختلف ما أنتجه الإنسان العربي في تفاعله مع المحيط والوقائع التاريخية.

3. جنسية السيرة الشعبية ونوعيتها :

لاحظ سعيد يقطين أن دارسي السير الشعبية، وإن عملوا على تحويلها من وضع اللانص إلى النص، فقد وسموها بتسميات مختلفة، تحكم فيها غالبا هاجس المنافحة والمفاخرة والسجال العقيم. وهذا ما جعله يتبنى الملاءمة العلمية بهدف معاودة النظر في المفاهيم والتصورات السائدة للوصول إلى إقامة رؤية جديدة، ويتغيا تجاوز عتبة البحث المحجوز لتحديد جنسية السيرة الشعبية ونوعيتها بمطيتها انطلاقا من تصور واضح للهوية الجنسيةGénerique  ،وواع بنظرية الأجناس الأدبية. أقدم في البداية على اقتراح السرد العربي بديلا عن كل المسميات المقترحة للسيرة الشعبية سواء أكانت عامة  مثل الحكاية الشعبية والأدب القصصي والأدب الشعبي(الفلكلور) أم خاصة على نحو الملحمة والسيرة والرواية أم فرعية مثل رواية بطولية، وحكاية الجن والحيوان، وخرافة بطولية. ويرى سعيد يقطين أن ما يجمع بين مختلف هذه التسميات المختلفة هو السرد الذي اعتمده لاحقا كإسم “الجنس” الجامع لمختلف الأنواع التي استعملت في الأدبيات العربية القديمة والحديثة. ويستنتج أن العرب عرفوا ديوانا آخر غير الشعر وهو»السرد». وقبل أن يوظف هذا المفهوم الشامل والثابت، بين إسم الجنس الجامع الذي اهتم به العرب القدامى، ووصفوا به مختلف الممارسات اللفظية ، وهو مفهوم الكلام .ولا يكتفى سعيد يقطين على جري عادته ببيان كيف حدد القدامى  الكلام وأجناسه وأنواعه، بل يعيد النظر فيه من منظور جديد لملامسة مختلف تحققاته وتجلياته، ولإعادة الاعتبار للطرف المقصي والمبعد وهواللانص بهدف الكشف عن نصيته والتوقف عند مميزاتها وخصوصياتها.وهكذا نظر إلى الكلام العربي من خلال ثلاثة محاور وهي على التوالي:1-المبادىء،والمقولات،والتجليات،2-الجنس،والنوع،والنمط،3-القصة،والخطاب، والقصة . ويرمي سعيد يقطين من خلال هذا التقسيم الثلاثي إلى تقديم رؤية متكاملة متدرجة من الأعم إلى الأخص مرورا بالخاص،وذلك من خلال الموضوع المحدد في الجنسية بوصفها الموضوع الذي يتحقق من خلال الكلام،وفي السردية التي يعتمد الكشف عنها من خلال حضور” جنس” السرد” في “نص” محدد،وفي النصية  التي يبحث فيها من خلال التجليات النصية.ويسعى إلى البحث في هذه الموضوعات من خلال تمفصلها بحسب النقط الثلاثة، للتمكن من النظر إليها في مختلف مستوياتها.

1 . المبادئ ، المقولات ، التجليات :

من خلال هذا المحور تتحدد العلاقة بين الجنس والنص.وكل محوريتكون من ثلاثة مبادىء جوهرية وهي الثبات والتحول والتغير.يقصد بالمبادىء كليات عامة مجردة متعالية على الزمان والمكان،وتتكون من ثلاثة مبادىء أساسية ومفيدة في تحديد الكلام في ذاته(عناصره الجوهرية الثابتة)،وفي صفاته البنيوية،وفي تفاعلاته مع غيره. وتتحدد المقولات بوصفها كليات من درجة ثانية،فالمقولة الثابتة ترتبط بالجنس،والمقولات المتحولة ترتبط بالأنواع،والمقولات المتغيرة ترتبط بالأنماط.وتُعرف التجليات بكونها تحققات نصية. تتحددالتجليات الثابتة من خلال جامع النص، ويدخل ضمن التجليات المتحولة التناص بمختلف أشكاله وأصنافه، وتدخل ضمن التجليات المتغيرة أنماط التفاعل النصي الباقية التي حددها جيرار جنيت في الطروس(1982).وهكذا يتضح أن الباحث سعيد يقطين يرمي من ربط المقولات بالتجليات على أساس مبادىء محددة إلى البحث في جنسية النص ونصية الجنس،وهو ما سيشكل محور اشتغاله العلمي على السيرة الشعبية.

2 . الجنس ، النوع ، النمط :

وتم تخصيص الكلام من خلال الجنس والنوع والنمط. فيما يخص الجنس انطلق سعيد يقطين من صيغتي الكلام(القول/ الإخبار) ومن النظر إلى الأداة( شعر/نثر) وإلى وضع صاحب النص (المتكلم /الراوي) لتمييز ثلاثة أجناس تستوعب كل كلام العرب وهي:الشعر والحديث والخبر.”وتبعا لذلك تغدو متعالية على الزمان والمكان،ولايكاد يخلو أي كلام من اندراجه ضمن إحداها…وآن الأوان لإعادة النظر في كل منها على حدة ،والبحث في طبيعتها وتطورها التاريخي،وعلاقتها بعضها ببعض” ص194.وبعد تحديد أجناس الكلام، اكتفى سعيد يقطين بتقديم تصور شامل يمكن من وضع الأسس التي ستساعد على ضبط تحولات الأنواع.ولما كانت الأنواع تتصل بالمقولات،فهي تتضمن المبادئ الثلاثة المنطلق منها،والتي ترتبت عليها ثلاثة أنواع متباينة:

أ- تعتبرالأنواع الثابتة  أقرب إلى الأصول من  حيث طبيعتها وثباتها.وثمثيلا بالخبر، نجد أن الأنواع الخبرية الثابتة والأصلية تتكون من الخبر،والحكاية،والقصة،والسيرة.

ب-تعد الأنواع المتحولة  بمثابة أنواع فرعية متحولة، يمكن البحث فيها تاريخيا لمعاينة التحولات في ضوء الأنواع الأصول. كما يمكن البحث في ما تفرع عنها من فروع. ينبغي وضع هذه الأنواع (على نحو المقامة، والسيرة الشعبية، وأخبار الظراف والعشاق والحمقى..) في سياقها التاريخي، والبحث في خصوصيتها، وضبط الحاجيات التي جاءت لتلبيتها سواء من حيث الطبيعة أو الوظيفة.

ج- تتضمن  الأنواع المتغيرة كل الأنواع المختلطة التي يصعب تحديد جنسيتها ونوعيتها بسبب توفرها على مقومات جنسين مختلفين. وذلك على نحو ما نجد في كليلة ودمنة التي يتجاذبها نوعان مختلفان هما “المثل” باعتباره قولا يندرج ضمن الحديث، وقصة الحيوان.

على عكس الأجناس والأنواع، فإن البحث في الأنماط يتم من الزاوية الأفقية، لأنها تتعلق بأي جنس كلامي أو نوعه. وتتفرع إلى ما يلي:

أ-تتصل الأنماط الثابتة بما يمثله الكلام في علاقته بالتجربة. وهي تنطلق من الأليف (الواقعي) إلى العجيب (التخييلي) مروراً بالغريب (التخييلي).

ب- يقصد بالأنماط المتحولة تلك الأنماط العامة التي ترتبط بالموضوعات والصور القابلة للتحول بحسب مختلف المقاصد التي يرمي إليها المتكلم، وأيا كان الجنس أو النوع» ونجد هذه العلاقات إما ذات طبيعة معرفية أو وجدانية أو حسية.وضمن مختلف هذه العلاقات يكون القصد هو الإخبار أو تحصيل المعرفة (الجد)،أو الإمتاع (الهزل)،وقد تتم المزاوجة بينهما” ص201/202.

ج-تنعت الأنماط المتغيرة بالأنماط الخاصة، وهي تتصل بالأداة المستخدمة(اللغة والأسلوب) لتحقيق الوظيفة المتوخاة وتشخيص التجربة المتوخاة . وهكذا تم تحديد تلاثة أنماط خاصة تلعب دورا في بيان طبيعة الصياغة الكلامية لنقل الخبر: الأسلوب السامي الذي نجده مثلا في المقامة، ثم الأسلوب المنحط الذي لايحافظ على القواعد البلاغية والنحوية المتواضع عليها، ونجده على سبيل المثال في السيرة الشعبية،ثم الأسلوب المختلط الذي يزاوج بين ماهو سام وماهو منحط لغايات بلاغية خاصة ،ونجده عند الجاحظ وابن وهب.

 4 . القصة ، الخطاب ، النص :

إن البحث في الكلام من جهة أجناسه وأنوعه وأنماطه، يبقى أسير المقولات التي تتحدد في علاقتها مع المبادىء.وعندما انتقل سعيد يقطين إلى التجليات أوضح أنه سيقصر بحثه على البحث عن جنس واحد وهو الخبر،وعن السيرة الشعبية بوصفها نوعا من أنواعه المتنوعة.وقبل مباشرة تحليل هذا النوع المحدد بوصفه نصا في إطار التصور العام الذي انتهجه على صعيد النظر إلى “الكلام” ،استعاد إسما جنسيا سبق توظيفه”السرد” ليضعه محل “الخبر”. “لكننا لو نظرنا إلى “الإخبار” من زاوية أخرى،أي من زاوية”أداة الإخبار” لوجدنا أنفسنا أمام “صيغة” جديدة يتحقق الإخبار بواسطتها هي صيغة “السرد”،فهي الأداة أوالطريقة التي من خلالها يقدم الإخبار،وهي تختلف عن صيغة “القول” من جهات متعددة.وبذلك يصبح السرد هو الإسم الجامع (الجنس) لمختلف أنواع الكلام الذي يتحقق بواسطته،ويغدو الخبر،تبعا لذلك نوعا من أنواع السرد..إذ اتضح هذا نصبح أمام ثلاثة أجناس هي: الشعر والسرد والحديث”ص295.إن الانطلاق من هذا المفترض الذي يعتبر السيرة الشعبية نوعا،والسرد جنسا قابل لأن يتمفصل من حيث التجلي وفق المبادئ المنطلق منها.وهكذا يعتمد في النظر إلى جنس السرد من حيث الثبات بالانطلاق من القصة (المادة الحكائية)،وينظر في التحول من جهة الطرائق الموظفة(الخطاب) لتقديم المادة المادة الحكائية، ويدخل ضمن التغير كل ما يتصل بالأغراض والغايات .وبما أن هذا المبدأ يتصل بالنمط، فإن سعيد يقطين ربطه بالنص باعتباره موئل الدلالة.”ويستنتج مايلي” وبناء على هذه المبادىء الثلاثة يتاح لنا النظر في السرد من حيث تجليه من جهة بنياته الحكائية(المادة) والخطابية النحوية (الخطاب) ووظائفه الدلالية (النص).وبذلك نؤكد ترابط المبادئ بالمقولات والتجليات أفقيا وعموديا،ونؤكد تداخلهما جميعا،وعلى كافة المستويات من منظور كلي وشمولي “ص220.

5 . الصوى المنهجية :

   لقد سبق لي أن أشرت إلى أن سعيد يقطين يسعى إلى إقامة تصور سردي يقوم على ثلاثة اختصاصات متكاملة ومتداخلة للنظر إلى البنيات الخطابية والنصية والحكائية لأي جنس سردي.ويهتم كتاب قال الرواي بمادة الحكي ضمن السرديات من خلال مطابقة القصة بالجملة الفعلية من جهة، ومن جهة ثانية بمطابقتها بالواقع المشخص عبر التجربة. ويتعامل مع الحكائية بوصفها المقولة الجنسية الخاصة بجنس الخبر  أو السرد، وباعتبارها كلية ثابتة تضم شبكة من المقولات الفرعية (الأفعال والعوامل والزمان والمكان).خصص سعيد يقطين لكل مقولة من هذه المقولات الأربع فصلا خاصا، واشتغل عليها من وجهة نظر الناقد والمختص بمجال الشعرية لتقديم تصور ملائم حول جنسية السيرة الشعبية (بيان بنياتها المجردة الكلية) وتجلياتها النصية(التعامل مع بنيات كائنة وملموسة).إن أي منظور يزاوج بين الاختصاصين إلا ويراهن على ركوب غوارب الرهان الصعب ،ويتطلب مجهودات مضاعفة بخاصة لما يكون المتن ثرا ودسما على شاكلة المتن الذي اختاره سعيد يقطين (عشر سير شعبية ،وتسعة وثلاثون مجلدا ).وقبل تبيان بعض الثوابت التي تحكمت في المنهجية الموظفة، سأحاول إعطاء نظرة مجملة عن كيفية تحليل البنيات الحكائية في السيرة الشعبية.

يعتبر الإطناب هو مدار الفصل الأول المتعلق بالوظائف، وينبي على ثنائية التراكم (تجسيد الاختلاف النوعي داخل الجنس الواحد) والاختزال( الإمساك بالبنية الكلية التي تحكم السيرة الشعبية). قام سعيد يقطين بتحديد التمفصلات الكبرى والصغرى والجزئية، وحدد على المستوى العمودي الوظيفة المركزية (الدعوى) لكل سيرة، وغالبا ما تكون ذات طبيعة استقبالية ومركزة على شخصية محددة، وتعد أساس الحكي لأنه من رحمها تتفرع الأحداث والبرامج الحكائية والبرامج الحكائية المضادة. وكل الدعاوى يضطلع بها البطل المركزي الذي تحمل السيرة إسمه. أما على المستوى الأفقي، فلقد انطلق الباحث من بنيات محددة (الأوان، والقرار، والنفاد) مبيناً كيف تعاملت كل بنية مع الدعوى، وما تتميز به من موجهات خاصة. وبعد ذلك ينتقل إلى البنيات الصغرى معتمدا على مبدأ التراكم، ومحللا الوظائف الجزئية، ومتمثلا فقط بالوظيفة الأساسية الأولى (الأوان). وفيها بين أن كل مكيدة من المكائد السبع تشكل بنية حكائية صغرى. وهي بمثابة بنية متكاملة تتمفصل إلى دعوى مؤطرة بالوظائف نفسها التي سبق التحدت عنها (الأوان، والقرار، والنفاد)، تساهم مجتمعة في أداء وظيفة الأوان، وتيسر النهوض بالوظيفتين الأخريين ( القرار  و النفاد).وبين سعيد يقطين أنه توجد كثير من الخصائص الحكائية التي تجمع ما بين مختلف السير الشعبية، وتجعلها متميزة عن باقي الأنواع السردية. ويستنتج أن بنية الإطناب تسهم في تعدد  و تنوع البنيات الحكائية، وإنسال البرامج الحكائية، ويجعل السيرة الشعبية متميزة بحكائيتها و أقرب ما تكون بموسوعة حكائية متضمنة لأجناس وأنواع وأنماط مختلفة.

ولما انتقل سعيد يقطين إلى الفصل الثاني(الشخصيات، الفواعل، العوامل) أبرز دور الفواعل في بناء العالم الحكائي.وصنفها في البداية حسب الأنواع (المرجعي والتخييلي والعجائبي)،ثم نظر إليها من حيث مقوماتها الأساسية ونوعية العلائق الموجودة بينها ،والوظائف التي تضطلع بها. و حدد البنية التي يمثلها كل فاعل من الفواعل الثلاثة  (الفاعل المركزي، والفاعل الموازي الأول، والفاعل الموازي الثاني) ،وذلك بهدف إدخال مجموع الفواعل التي تشترك في البنيات الفاعلية التالية :بنية الفارس، وبنية العيار، وبنية العالم.       ”  تتفاعل هذه البنيات فيما بينها،وتتصارع،وتتبادل الأدوار والمواقع.وإذا كانت البنية الأخيرة هي التي تتولد عنها الأفعال إجمالا،وذلك بتوجيه العناصر التي تتشكل منها البنية الأولى والثانية،كانت الأفعال تتحدد،وتجري بين عناصر البنيتين الأولى والثانية”ص138.

ويتحدد كل فاعل بحسب المقاصد التي توجهه نحو فعل ما،وتجعله ينتسب إلى هذه البنية أو تلك. وتتشكل الفئات العاملية من الفواعل والشخصيات تبعا للموقف المتخذ من “دعوى النص”. وتتوزع إلى فئتين عامليتين. أولاهما توافق الدعوى ، وتضم ثلاثة عوامل،وهي الصاحب والقرين والأتباع،وثانيهما ترفض الدعوى ، وتضم بدورها ثلاثة عوامل وهي الخصم والقرين والأتباع.

خصص الفصل الثالث للبحث في البنيات الزمنية باعتبارها متصلة بالبنيات الحكائية (زمان القصة)، وإطارا  لأفعال الفواعل، وموضوعا للتجربة والإدراك. تم تحديد زمان القصة العام( البنية الزمنية الكبرى) الذي يتبين فيه أن أول سيرة هي سيرة الزير سالم، وآخر سيرة هي سيرة الطاهر بيبرس. وهكذا يتبين أن زمان القصة يتسع لحقبة طويلة تمتد من العصر الجاهلي إلى عصر المماليك ،ويقسم السير إلى قسمين : سير ماقبل الإسلام على نحو سيف بن ذي يزن،والزيرسالم،وسيف التيجان،وعنترة بن شداد،وفيروزشاه،وحمزة البهلوان. وسير مابعد الإسلام على نحو بني هلال،والأميرة ذات الهمة،وعلي الزئبق،والظاهر بيبرس. أفضى تحليل البعد الزماني إلى بيان أوجه العلائق (التأطير،والتسلسل،والتضمين) التي تربط بين مختلف السير، وتبين أن الراوي كان مطلعا على السير الأخرى، وقادرا على ترتيب عمله بينها. ويقصد سعيد يقطين بالعلاقات الزمنية الموازية تلك التي تجمع بين السير الشعبية الموازية(سيف التيجان، وحمزة البهلوان، وعلي الزئبق) والسير الأساسية(سيف بن ذي يزن، وعنثرة بن شداد، وذات الهمة).وهي علاقات تقوم أساسا على المحاكاة والمعارضة، ويمكن أن تختزل في ما يتصل بالتعلق النصي .وبذلك تتضافر ثلاثة أنواع من العلائق (التشعب ،والتوالد ،والتعلق) تجعلنا أمام إمكانية الحديث عن بنية زمانية كبرى تنظم مختلف البنيات الزمنية الصغرى التي تتجلى من خلال تسلسل السير الشعبية وترتيبها واحدة تلو الأخرى.”وتبقى لسيرة بني هلال خصوصيتها في هذا النطاق ،لأننا نعتبرها أساسية من جهة صلتها بسيرة الزير سالم (التوالد)،ولكننا نعتبرها من جهة الترتيب موازية، لأنها تأتي زمانيا موازية لسيرة الظاهر بيبرس،ذلك لأن زمان أحداثها يقع ،وخصوصا في التغريبة،في القرن الخامس الهجري ” ص181.وإن كان الزمان في البنية الزمانية الكبرى يتندح في مسارات متعددة،ويتخذ تحولات مختلفة،فهو ينتظم وفق نظام أو منطق زماني خاص، ويتحدد تبعا لرؤية زمانية محددة. وتستوعب هذه  الرؤية الزمنية الدعوى الزمنية ( ماسيكون عليه الزمن وهو قيد التحقق في أفعال مشخصة)،والمعرفة بالزمان( تتحقق بواسطة معارف لها طابع سري ،لايطلع عليها إلا العلماء/الحكماء)،والتعالي الزماني( ويعنى به التجربة الزمانية في صيرورتها). تم الانطلاق في إطار البنيات الزمانية الصغرى من زمان البدايات والنهايات للتمكن – على حد قول لوتمان – من دراسة النص باعتباره جملة واحدة.إذا كان زمان البدايات يرتبط بظهور الشخصيات وتولد الأفعال،وتأسيس الفضاءات وعمرانها، فإن زمان النهايات يضع حدا نهائيا للحكي بخراب العمران ونفاد الأفعال القابلة للحكي. وقبل الانتقال إلى زمان النص، تم التطرق إلى الزمان الواقعي وهو زمان مرجعي يخضع للتجربة ولمنطق خاص،ثم إلى الزمان العجائبي الذي يكشف عن هشاشة العلاقة بين الكائن والمحتمل، وبيان ما يتميز به زمان القصة من تعميم ،وكثرة المفارقات ،وإطناب ،وتهويل يتصل زمان النص بزمان التأليف والتلقي.وهو زمان تعتريه صعوبات كثيرة بسبب عدم معرفة مؤلفي النصوص السيرية والحيثيات التاريخية التي تحكمت في انتاجها.ومع ذلك يثبت سعيد يقطين أن السير الشعبية على كثرة نسخها ومروياتها جاءت  استجابة لأمريات ملحة، وصنفت في حقبة واحدة، وأن مؤلفها شخص واحد. وإن كان مؤلفوها متعددين، فهم يتخذون نموذجا محددا يضربون على منواله في تشكيل عوالمهم الحكائية. ففي زمان التلقي  المباشر الذي يتصل في مرحلته الثانية (بعد مرحلة موغلة في القديم) بزمان تأليف السير في أواخر عصر المماليك وبدايات الاحتلال العثماني ، انتشرت المجالس العامة التي كان يرتادها المتلقون للاستمتاع بعرض أحداث مختلف السير الشعبية. وبظهور  المطبعة وأشرطة التسجيل، أصبح زمان التلقي غير مباشر. ويستنتج سعيد يقطين ما يلي:” يظل زمان  إنتاج وتلقي السيرة الشعبية منفتحا رغم انغلاق زمان مادتها الحكائية، لكنه الانغلاق الذي يشي بالانفتاح على دائرة زمانية لايمكن التكهن باحتمالاتها وآفاقها، وإن كانت الرؤية الزمانية التي تمثلها السيرة الشعبية تؤكد تكرار الدائرة رغم مظهر التسلسل الذي يطبعها؟ا”ص229.

تم التعامل مع البنيات الفضائية في الفصل الرابع بوصفها مقولة حكائية ،و فاعلا أساسيا، وموضوعا للفعل .فكل الفواعل ترتبط بمهبط الوجدان، وتحن إليه، وتذب عنه مهما كلف ذلك من ثمن. في البدء تم تحديد البنيات الفضائية العامة على نحو الفضاءات المرجعية التي تتسم بأثر الواقع، وتحمل كثيرا من خصائصه ومميزاته، والفضاءات التخييلية التي يصعب التأكد من مرجعيتها سواء من حيث الإسم أو الصفة، والفضاءات العجائبية التي يتم من خلالها الانتقال من المركز إلى المحيط، ومن الأليف إلى الغريب، ومن الواقعي إلى العجائبي. وانتقل التحليل إلى البنيات الفضائية الخاصة لرصد صيروراتها المختلفة، والوقوف عند مصائرها وزمنيتها الخاصة، وخضوعها للتعالي الزمني(لها بداية ونهاية)،وارتباطها ببرامج الشخصيات وأفعالها وانتماءاتها ولونها وزيها ورؤيتها. وتمت إعادة ترتيبها بغية ضبط انتظاماتها في علائق محددة، وبيان تمفصلها إلى فضاء مركزي(وهو الفضاء البؤري الذي يوجد فيه صاحب الدعوى المركزية)،وإلى فضاء محيط (وهو يتفرع إلى محيط قريب له علاقة متواصلة مع المركز، ومحيط بعيد له علاقة طارئة ومحدودة مع المركز).وعند الانتقال إلى فضاء النص، ركز سعيد يقطين على الدور الذي كان يضطلع به الرواي في المجالس العامة لاستمالة الجمهور والمتلقين بمحكيات جذابة ومثيرة، وإشراكهم في رؤيته الفضائية، وإدخالهم في عوالم خيالية بديعة وعجيبة يتم التركيز فيها على “الفضاء المركزي” الذي يحتله “الفاعل المركزي». ولقد عمل سعيد على جري عادته في كل فصل على بيان تعاضد مختلف المقولات والمكونات الحكائية في  تشخيص المتخيل و المواقف والرؤيات، والنهوض بوظائف محددة، ومد مختلف الجُسَيْرات مع الواقع والتاريخ والذهنيات. وفي هذا السياق يستنتج سعيد يقطين مايلي:” بواسطة ذلك كله يدرك العالم ويفسر، ويعاش في مختلف الجزئيات والتفاصيل، ويتحدث عنه، ويصاغ من خلال الفعل الحكائي. وبذلك تكون السيرة الشعبية مجسدة لمختلف الرؤيات والتصورات العربية الإسلامية، وهي من هذه الزاوية تلتقي مع مختلف المصنفات “العالمة” ، وإن اختلفت طريقتها في التقديم والتمثيل، وصعدت كل ذلك بواسطة “التخييل” “ص306.

بعد الفراغ من بيان التمفصلات الكبرى التي تحكمت في الجانب التطبيقي، سأحاول استنتاج بعض ثوابته. لقد برهن سعيد يقطين على صحة المفترضين المنطلق منهما، وهما في العمق يشكلان فرضية واحدة تنظر إلى النص في ذاته، وفي علاقاته وتفاعلاته مع غيره (الثقافة).وبمقتضاها، تم التعامل مع السيرة الشعبية بوصفها نصا واحدا يتميز عن غيره من السير  والأعمال السردية، وباعتبارها موسوعة حكائية تتضمن معارف ومعلومات ثرة، وتستوعب أجناس الكلام العربي وأنواعه وأنماطه، وتختلف في بنياتها ووظائفها عن الموسوعات والمصنفات العربية. وهكذا أُدرجتْ السيرة الشعبية ضمن جنس الخبر أو السرد، وتم اعتبار الجنسية مقولة كلية تندرج تحتها أنواع تتعدد بتعدد الأجناس، وتحديد جنسية السرد من خلال الحكائية بوصفها مقولة كلية جامعة، وربط الحكائية بالمادة الحكائية. تركز العمل التطبيقي على حكائية السيرة الشعبية من خلال تبئيرآليات الاشتغال على المقولات الحكائية التالية: الأفعال، والفواعل، والزمان، والفضاء. وتبين من خلال عملية التحليل أن كل مقولة على حدة لها بنياتها الكبرى والصغرى، وأن السيرة الشعبية تنفرد بنصيتها وتتميز بوحدتها، وأنه توجد علائق متينة وقوية بين مختلف البنيات التي تتضمنها المقولات الحكائية. وإن تعددت بنيات السيرة الشعبية ومقولاتها، فهي  تظل منضبطة غاية الانضباط لمركز جذب واحد. وفي هذا الصدد يبين سعيد يقطين مصداق ما يلي” بضبطنا لمركز التوجيه هذا (الزمن)،وربطه ب”دعوى النص”، نكون قد أمسكنا بالعنصر الذي يلحم مختلف البنيات ويحدد، تبعا لذلك ما كنا نسميه خلال التحليل “الرؤية الحكائية الكبرى” والتي تتحدد من خلال “الرؤية الزمنية العامة”، وما يتولد عنها من رؤيات تتصل بكل مقولة من المقولات الحكائية. وهذه “الرؤية” أو و”جهة النظر”التي تبرز لنا من خلال الراوي في علاقته بالشخصيات والفضاء المركزيين، هي نفسها التي تربط الراوي ومختلف عوالمه الحكائية (القصة إجمالا” بالمروي لهم (السامعون في المجلس أو قراء الكتاب).”ص/ص321/322. واستعان سعيد يقطين بالمربع السيميائي لتجسيد في خطاطة تركيبية مختلف الترابطات بين المقولات الحكائية وبنياتها وعلاقاتها، ورؤية متكاملة ومتعددة تجسد متخيل و ذهنية الإنسان العربي ،وصيرورة البنيات الاجتماعية والتاريخية والثقافية.

حاولت في ما تقدم أن أقدم قراءة أولية للكتابين(الكلام والخبر،وقال الراوي) مبينا علاقتهما الجدلية بمؤلفات سعيد يقطين السابقة، ومركزا بالخصوص على الجوانب التي أثارتني. وكان هدفي هو الاقتراب أكثر منهما للإصغاء إلى وجيبهما ونبضاتهما، وتقدير المجهود الذي بذله الباحث والناقد سعيد يقطين في قراءة المتن وتحليل بنياته الكبرى والصغرى، وصياغة المشروع السردي، وتوليد المفاهيم وابتداعها، والمزاوجة بين النقد والشعرية، ومد الجسور بين السيرة ومختلف أنواع السرد والموسوعات والمصنفات الجامعة. وما يلفت النظر أن سعيد يقطين  مصر على مواصلة مشوار السرديات بوصفها علما كليا لربط المبحث الذي نحن بصدده ( طبيعة الحكائية في السيرة الشعبية ووظيفتها) بالحلقتين المتبقيتين، وهما سردية السيرة الشعبية ونصيتها. فقد سبق أن بينا أن كل اختصاص سردي يعالج جانبا من هذه الجوانب المتداخلة والمترابطة فيما بينها. وتعتبر السرديات النصية أعم وأشمل من سرديات القصة وسرديات الخطاب،لأنها تلحق السرد بغيره من أجناس الكلام وأنواعه،وتجعل الجنس متفاعلا مع غيره من أجناس الكلام وأنواعه (التفاعل النصي). وبالجملة، نلاحظ أن سعيد يقطين يسعى إلى تشييد شعرية عربية منفتحة على مستحداث النقد، وواعية بنظرية الأجناس، ومنطلقة من أسئلة جديدة، ومتحوطة من الإسقاطات ومن عدم مراعاة الظرفية التاريخية التي تؤطر النص التراثي العربي الإسلامي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-سعيد يقطين ، أ-الكلام والخبر مقدمة للسرد العربي ، المركز الثقافي العربي ، ط1،1997.

                   ب- قال الروي ، المركز الثقافي العربي ، ط1 / 1997.