«

»

ذخيرة العجائب العربية : سيف بن ذي يزن

ذخيرة العجائب العربية

                            صدر كتاب ” ذخيرة العجائب العربية : سيف بن ذي يزن ” سنة 1994 عن المركز الثقافي العربي ، بيروت / الدار البيضاء ليكون مادة أساسية للبحث في ” العجائب العربية ” ، انطلاقا من اعتباري سيرة سيف بن ذي يزن ” ذخيرة للعجائب العربية ” . والهدف الأساس الذي أرمي إليه من خلال جمع هذه ” العجائب ” هو السعي إلى إنجاز ” معجم للعجائب ، وما أحوج ثقافتنا إلى هذا النوع من المعاجم التي تسلط الضوء على أنماط من التفكير والتصور الذي تتميز به الثقافة العربية .

    هذا العمل بداية مشروع أسعى من خلاله إلى جمع كل ” العجائب ” العربية من مظانها المختلفة في كتب الأخبار ، والسير والحكايات ، وكتب التاريخ والجغرافيا والأخرويات والرحلات ، ليكون بعد ذلك مادة قابلة للبحث والدراسة . وفي ما يلي مقتطفات من مقدمة هذا الكتاب .

تقديم

   يزخر تراث كل أمة من الأمم ، وكيفما كان مستواها من التطور التاريخي والحضاري بعدد هائل من الأباطيل والأعاجيب والأساطير . ويظل هذا العدد الهائل من هذا النوع حاضرا بشكل أو بآخر ، ويتخذ صورا متعددة يتجلى بوساطتها . لكن حظ الأمم، وإن كان متساويا في امتلاك وإبداع هذه الأعاجيب والأساطير ، فإنه يختلف في ” وعيه ” و” اهتمامه ” بها و” بحثه ” فيها ويبدو هذا الاختلاف بينا بين الأمم التي خطت خطوات هائلة في التقدم والتطور ، والأمم التي لم تأخذ بأسباب هذا التقدم بالشكل المناسب في درجة الاهتمام والعناية التي توليها كل منهما لهذا النوع من التراث .

    ففي حين نجد الدول المتقدمة تتوفر على معاهد ومدارس ، وباحثين مختصين بهذا التراث سواء داخل بلدانهم أو خارجها ، نجد الدول الأخرى تجعله وراء ظهرها ، رغم أن تجلياته أكثر حضورا في مختلف مظاهر أنماط حياتها . بل إنه لا يلقى من المثقفين والباحثين غير الإهمال والازدراء.

     للعرب تاريخ وتراث حافل بهذا النوع من التراث ، بما فيه من تعبير عن رؤيات وتمثلات للواقع والعالم . وآثار هذا التراث ماتزال ماثلة وممتدة إلى العصرالراهن . بدأ هذا النوع من الإنتاج يثير اهتمام بعض الدارسين العرب ، وإن سبقهم إلى الاحتفاء به، والتنقيب عنه وإخراجه باحثون أجانب ، غير أن المتون ماتزال متفرقة في عدد كبير من المصنفات المختلفة ، وفي شتى المجالات والاختصاصات ، بحيث يكاد يكون من المستحيل على الباحث أن يعثر على ضالته بيسر وسهولة . فالعديد من النصوص مفقود أو شبه مفقود . واستخراج المبتغى دونه الكثير من العمل والجهد ، على خلاف ما نجد فيما يتعلق بالتراث نفسه في أي لغة أوربية . فهناك ، نتيجة اهتمام واسع وأعمال متواصلة ، العديد من المعاجم المتعلقة بهذه الأعاجيب أو الأساطير بدءا من الإغريق وصولا إلى العصرالحديث . وصنعة هذه المعاجم توفر للقارئ والباحث معا فرصة أن يجتمع له في كتاب ما تفرق في كتب ، وما تبلور في قرون في معجم شامل لايخلو من متعة إن كانت القصد ، أو من دراية إذا اكان المراد المعرفة والبحث .

     وإلى جانب هذه المعاجم المختلفة هناك الدراسات العامة والخاصة والمقارنة ، وبحسب مختلف الاختصاصات التاريخية والأنثربولوجية والنفسية أو الفنية .

     سئلت مرات عديدة عن بعض عناصر التفكير التي يتضمنها هذا التراث ، أو عن بعض الكائنات العجيبة التي ماتزال قيد الاستعمال في لغاتنا اليومية والأدبية ( الغول ـ بنو كلبون ـ واق الواق ،،، ) وعن كتاب يعالجها على غرار ما يتوفر في الثقافات الأجنبية ، ووجدت نفسي أذكر بعض المراجع القديمة ، وأنا متيقن من شبه انعدامها ، أو أجد نفسي جاهلا عاجزا عن تقديم الجواب الشافي . وظهرت لي أهمية الاهتمام بهذا العمل ، لاسيما وأن الإبداع الشعري والسردي العربي الحديث يتضمن الكثير من الإشارات إلى هذه العوالم . ففكرت وأنا أبحث في السيرة الشعبية العربية ، وبنظيراتها من النصوص العربية المهمشة أن أجمع هذه المواد المتفرقة ، وأجعل هذا مشروعا أدشنه باستخراج ما في سيرة الملك سيف بن ذي يزن من ” عجائب ” لخصوصيتها في هذا المضمار ، على أن أواصل هذا العمل باستثمار مختلف المصنفات التي تزخر بها الخزانة العربية مثل كتب التاريخ والجغرافيا والكونيات والرحلات وكتب العجائب والحايات ،،، ذلك لأن توفير المادة سابق على دراستها وبحثها ، لاسيما وأن ضرورات عدة تستدعي مثل هذا العمل .

    ترك لنا العرب إنتاجا ضخما في هذا المجال  . كما أن هناك العديد منالمصنفات حاولت رصد هذه العجائب وتدوينها ، ولعل في ما يعرف ب” كتب العجائب ” ما نجده أقرب إلى المعاجم الحديثة الخاصة بهذا النوع من الإبداع . وتذكر لنا الكتب المتعلقة بالمصنفات والمؤلفات من فهرست ابن النديم إلى كشف الظنون لحاجي خليفة عددا كبيرا من العناوين ، عثرنا على بعضها ، وما يزال بعضها الآخر شبه مفقود أو مفقودا .

    نجد من هذه المصنفات :

ـ تحفة الألباب ونخبة الإعجاب : لأبي حامد الغرناطي .

ـ المعرب عن بعض عجائب المغرب : لأبي حامد الغرناطي .

ـ نخبة الدهر في عجائب البر والبحر : للدمشقي .

ـ عجائب الهند : بره وبحره وجزائره : بزرك بن شهريار .

ـ مختصر العجائب : لابن وصيف شاه.

فنون العجائب : لابن مهدي النقاش .

ـ عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات : القزويني .

ـ خريدة العجائب وفريدة الغرائب : ابن الوردي.

ـ كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار : لابن عبد ربه الحفيد .

ـ التاجر سليمان ، و السيرافي ،،،

ويمكن أن ندخل في هذا الإطار العديد من الكتب المتلقة بأحوال بداية الخلق وأحوال الآخرة ، والملاحم والفتن ، وأخبار إبليس والجن والملائكة ،،، وما ناظر هذا من المصنفات التي تتضمن هذا النمط مثل كتب الحيوان ( الدميري ) ، والأحلام والسحر ، سواء كان ذلك ضمن مصنفات عامة مثل كتب الأدب أو الموسوعات ( النويري ـ القلقشندي ) ، أو مصنفات  خاصة بهذاالنمط أو ذاك ( ابن الجوزي ـ الثعلبي ـ الأصفهاني ،،،) ولا داعي هنا للتذكير بكتب التاريخ والجغرافيا والكونيات والحكايات ( ألف ليلة وليلة ـ مائة ليلة وليلة ـ الحكايات العجيبة ،،، ) وكتب التصوف وكرامات الأولياء والصالحين .

إنه فعلا تراث ما يزال حيا وممتدا في العديد من مظاهر حياتنا واعتقاداتنا العربةي الإسلامية اليومية . وإذا كان القدماء قد جمعوه ودونوه لغيات ومقاصد خاصة ، نجد الباحثين العرب المحدثين حاولا بدورهم البحث فيه ودراسته . لكن هذا الاهتمام ظل نادرا ، ولم يف بالحاجة الماسة إلى استيعاب مختلف جوانبه  ، والإحاطة بكل حيثياته . لذلك ظل البحث فيه جزئيا ، وبالتالي قاصرا . وبدون تضافر الجهود وتعدد الاجتهادات ستظل معرفتنا به ناقصة ،ووعينا به جزئيا ومن بين الدراسات ، وشبه المعاجم التي حاولت استخراج مواده يمكن أن نشير على :

ـ الأساطير والخرافات عند العرب : عبد المعيد خان .

ـ موسوعة الفولكلور والأساطير العربية : شوقي عبد الحكيم .

ـ من الأساطير العربية والخرافات : مصطفى الجوزو.

ـ حديث السندباد القديم : حسين فوزي.

ـ مع العرب والتاريخ والأسطورة : رئيف خوري.

ـ في طريق الميثولوجيا العربية : محمود سليم الحوات .

ـ جغرافية الوهم : حسني زينة .

ـ العرب والبرابرة : عزيز العظمة.

ـ من عجائب الهند : يوسف الشاروني.

   هذه الأعمال ، وهناك غيرها ، على أهميتها تظل تشي بضرورة الإقدام على الاهتمام بهذا النوع من التراث استخراجا وجمعا ودراسة وبحثا من مختلف جوانبه ، وعلى كافة قضاياه . وفي هذا  النطاق يأتي عملنا ليصب في اجاه هذه الأعمال . وهذه هي الخلفية العامة التي تحكمت في إقدامنا على إخراج هذه ” الذخيرة ” . وهناك خلفيات أخرى خاصة نبينها في الدراسة التي خصصناها للبحث في ” العجائب في الثقافة العربية الإسلامية ، والذي تشكل هذه الذخيرة مادته الأساسية …

الرباط في  1 ماي 1993