«

»

كتاب الأمثال المغربية

إعداد السعيد بنفرحي

تقديم سعيد يقطين

1 . تقديم : من يخدم الثقافة المغربية؟

    إن الاحتفاء بالثقافة الشعبية في مختلف عناصرها وتجلياتها ومكوناتها مهمة وطنية وضرورة تاريخية. وأي موقف سلبي منها ، مهما كانت مبرراته ومسوغاته، لا يعكس سوى رؤية ضيقة وفهم بسيط للثقافة . ذلك لأن الإنتاج الثقافي الشعبي وليد صيرورة تضافرت عدة عوامل وساهمت في إكسابه طوابعه الخاصة والمميزة ، وجعلته ، من ثمة ، نتاج عمل جماعي  يعكس خصوصية الشعب وروحه وتجاربه الحياتية والمعيشية المختلفة. ولهذا الاعتبار نجده يقاوم الزمن ، وتظل الذاكرة الجماعية حريصة على استمراره وحمله وتوظيفه في مختلف جوانب الحياة.

  ليس كل ما ينتجه الشعب قابلا لأن يتحول إلى ” ثقافة شعبية”. إن ما يتحول إلى ” ثقافة شعبية ” لدى أي شعب من الشعوب وليد انتخاب طبيعي لكل ما ينتجه أفراد هذا الشعب. وما يحظى بتمثيل رؤية الشعب ويتلاءم مع صورة تمثله للأشياء وطرق التعبير الدقيق عنها هو ما يفرض نفسه ، فيصير ملكا للجماعة . ولهذا الاعتبار نجد “الثقافة الشعبية” وليدة خبرات عميقة ورؤية دقيقة إلى الأشياء. كما أن تعبيراتها وصيغها وأساليبها في منتهى الدقة والعمق والرشاقة.  ولذلك فحين تحفر لها مسارات في الذاكرة الجماعية الشعبية ، وتظل تُرَهََّن في مختلف المواقف، وتستعمل في مختلف السياقات فلأن لها دلالاتها الخاصة والمائزة ، وطرقها التعبيرية ذات المسحة الجمالية الخاصة. لذلك فالذين يربطون الثقافة الشعبية ب” الشعب” و” الدهماء ” و”العوام ” يتناسون دائما إبداعية الإنسان ، مهما كان مستواه الثقافي والمعرفي ، وقدرته على صياغة رؤيته للعالم وتفاعله معه بكيفية جمالية متميزة.

   لقد أدركت المجتمعات المتطورة والمتقدمة علميا أهمية الثقافة الشعبية فقامت معاهدها وكلياتها بدراستها بعد جمعها وتدوينها باستغلال مختلف الوسائط المكتوبة والسمعية والبصرية والإلكترونية . كما قامت بتصنيفها وصيانتها من الضياع والتلف. كما عملت على دراستها وتحليلها بمقارنتها بما لدى الأمم الأخرى من إبداعات وتقاليد وإنتاجات مختلفة. ورغم التطورات الحاصلة على مستوى الإنتاج الثقافي والمعرفي نجد الاحتفاء بالثقافة الشعبية ومبدعيها جزءا أساسيا من الاهتمام العام بمختلف أنواع الإنتاج .

    غير أن الأمر بالنسبة إلينا لا يزال مختلفا ، بل ودون الطموح. فالاهتمام بالثقافة الشعبية شغل هواة أفراد ، لا عمل محترفين في جماعات علمية. ولهذا السبب تظل علاقتنا بمختلف مكونات ثقافتنا المغربية قاصرة ومحدودة. ومع ذلك فإن الجهودات التي يبذلها الغيورون على الثقافة المغربية في مختلف تجلياتها تؤتي أكلها ، وتجعلنا ، بين الفينة والأخرى ، أمام أعمال جليلة يضطلع بها بعض الباحثين المغاربة من تلقاء أنفسهم ، حبا في هذا الإنتاج ، وإعلانا لانتماء ثقافي ، ورغبة في خدمة هذه الثقافة دون أن ينتظروا الجزاء أو الشكر.

2. كيف نخدم الثقافة المغربية :

   وجدتني وأنا أتصفح أعمال الأستاذ السعيد بنفرحي ، وأطلع على هذا العمل الذي أسعد بتقديمه ، أمام فرحة عارمة بالمجهود الجليل الذي قام به في خدمة الثقافة المغربية، وبإزاء استخلاص أن هذا الوطن لا يني يقدم من يدأب على خدمة ثقافته وينشغل بها ، ويصرف من جيبه من أجل تقديم ذخائرها غير راغب في شهرة ، ولا طالب للجاه أو تحصيل المال (وأنى له ذلك وهو يطبع على نفقته في سوق للكتاب نافقة ؟ ). إن كل همه يتمثل في صون الذاكرة من الضياع ، وتوفير مادة قابلة للاستثمار من خلال البحث أو الإبداع.

    كما جعلتني أعمال السعيد بنفرحي أخرج بخلاصة أخرى وهي أن الثقافة الشعبية وثقافتنا المغربية ، عموما ، لها دائما من يحرص على خدمتها بدون جلبة، ولا خلفية سياسية أو إيديولوجية أو مادية. وحين أطلع ، بين الفينة والأخرى ، على رفوف بعض المكتبات المغربية ، أو أزور بعض المواقع أو المدونات الإلكترونية وأرى جديدا يتصل بجوانب مغمورة من الثقافة المغربية ، عالمها وشعبيها ، أتساءل من يعرف بهذا المثقفين المنتجين ؟ ولماذا تمر مؤلفاتهم دون أن نقرأ عنها إعلانا في الصحف أو تكون مع أصحابها لقاءات في مختلف وسائل الإعلام الوطنية؟

   لقد ألف السعيد بنفرحي وصنف أعمالا جليلة عديدة تبرز لنا اهتماما خاصا بضرب من التأليف التوثيقي الذي نحن في أمس الحاجة إليه . إنه يجمع المعلومات من مظانها المختلفة والمتعددة وينسقها تنسيقا ييسر عملية التعامل معها. إنه جهد لا يثمنه ويعرف قيمته إلا الباحث المدقق التي يعاني من الوصول إلى معلومة بسيطة، ويعاني الكثير من أجل الانتهاء إليها. وحين يفعل يفرح بها فرحا لا يمكن أن يوصف.

   ومن بين هذه المصنفات كتاب الأمثال المغربية : دراسات ونصوص ” للبحاثة عبد القادر زمامة. إن هذا الباحث يعتبر من نوادر عصرنا الحديث في إحاطته بجوانب كثيرة من تراثنا المغربي والأندلسي التي لا يعرفها إلا قلة قليلة جدا. لقد كان ، أطال الله في عمره ، تحفة نادرة في حديثه ودروسه ، فكها ، واسع الاطلاع.كان بإمكانه أن يتحدث الساعات الطوال دون توقف ، وبإفادة قل نظيرها. وأذكر أنه كان يدرسنا الأدب الأندلسي في أواسط السبعينيات بكلية الآداب بفاس ، وفي الشفوي يسأل كلا منا عن اسمه وقبيلته. وعندما كنا نخرج من عنده ، ونخبر بعضنا بما حدثنا به عن أسمائنا وقبائلنا ، فكنا ننبهر من سعة علمه وواسع اطلاعه. يصحح لنا المعلومات التي نقدمها له ، فيعود إلى التاريخ القريب والبعيد ويقدم لنا إفادات جديدة إضافة إلى ما لدينا وهو بسيط وعادي. يستوي هذا مع الأصول العربية والبربرية سواء بسواء. ولقد كنت أستمتع ب” وجادات” ـه التي كان ينشر بعضها في مجلة دعوة الحق ، وبكل دراساته وأبحاثه. ورغم غزارة علمه كان شفويا قليل التأليف. ولو كان أستاذا السي عبد القادر في المشرق العربي، كان من فطاحلة التصنيف والتحقيق لأن التأليف عندهم شرط من شروط النبوغ العلمي والمعرفي. وكثير من العلماء المغاربة الذين أتيحت لي فرصة التعرف عليهم في فاس لا يكتبون. وما دام الشيء بالشيء يذكر ، وأنا في هذا السياق أنوه بعمل الأستاذ السعيد بنفرحي ، كنت قد فكرت مرة في جمع مقالات الأستاذ عبد العالي الوزاني ، المتفرقة في المجلات المغربية ، والتي كان يكتبها في الستينيات والسبعينيات . فمن من المثقفين المغاربة يعرف الأستاذ عبد العالي الوزاني ؟ وهناك الكثير من أضرابه. ولم تتح ظروف البحث والانغمار في الدرس من التفرغ لمثل هذا العمل الجليل الذي كان علماؤنا لا يقدمون عليه ، تأففا وتأدبا وتخوفا…

    لكل هذه الاعتبارات أكبر هذا العمل . لقد أحسن الأستاذ السعيد بنفرحي صنعا بجمعه هذه المادة الغنية من مختلف الدراسات والأبحاث التي أنجزها أستاذنا عبد القادر زمامة، نيابة عنه ، وأملا في صيانة مجهودات نبيلة من الضياع ، وعرفانا منه بعطاءات الرجل وإسهاماته في إثراء الثقافة المغربية ، عالمها وشعبيها .ونلاحظ  من خلال المقدمة التي صدر بها هذه الدراسات تنوع مجالات اهتمام الأستاذ عبد القادر زمامة. كما أن الجرد الذي قدمه لأعماله يبرز لنا كثرتها  ، ولو جمعت لأعطتنا كتبا عديدة. وأتمنى أن يتيسر له من الوقت ما يسعفه بجمع باقي كتاباته وهو الذي بذل مجهودا لا نظير له من أجل ترتيبها واستخراجها من مظانها، حسب الموضوعات والمحاور ، والعمل على طبعها بدعم من مؤسسات أكاديمية وثقافية. ولعله بمثل هذا الصنيع نكون أوفياء لعلمائنا وشيوخنا وأساتذتنا. كما أتمنى أن يكون هذا العمل قدوة حسنة يتبعه فيها باحثون آخرون لصون جزء من الكتابات المتفرقة وحفظها من الضياع.

   إننا بهذا العمل التوثيقي يمكننا أن نقدم خدمة عظمى لثقافتنا المغربية، قديمها وحديثها. فالمادة متفرقة في مجلات لم تعد تصدر ، والكثيرون لا يعرفونها .كما أن هناك كتبا طبعت في الأربعينيات والخمسينيات وحتى السبعينيات ولم يعد طبعها .فكيف يمكننا بحث ودراسة الثقافة المغربية في غياب المادة؟ ومن يمكن أن يضطلع بمثل هذا العمل؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها في هذا النطاق. وإذا كنا نطرح مثل هذه الأسئلة عن الثقافة المغربية ، في العصر الحديث ، ماذا نقول عن ثقافتنا القديمة التي لا يزال مجهولة لدى قطاع واسعمن القراء والمثقفين على السواء.

   كم كانت فرحتي عارمة عندما أقدم الزميل العزيز المصطفى أوزاع على تقديم ديوان سيدي محمد البهلول . وكم سررت عندما اطلعت على العمل الجليل الذي أقدم عليه ، وهناك أعمال كثيرة من هذا القبيل لا يتسع المجال لذكرها. والتي يحز في نفسي أن أراها بدون تعريف كاف على أوسع نطاق ، أو متابعة نقدية جادة . لكن الذين يقومون بمثل هذا المجهودات من الأساتذة الباحثين ، ومن المثقفين الذين لا يهمهم أي كسب ، مهما كان جنسه أو نوعه ، هم الذين يؤسسون ، فعلا ، بصمت وتفان وعشق للمادة الأساسية التي لا يمكن بدونها الحديث عن الثقافة المغربية . لكن الزمن كفيل بجعل ما يضطلعون به من أعمال في توثيق ذاكرتنا الثقافية ذا أهمية بالغة في المستقبل عندما يتطور وعينا بأهمية العمل الثقافي في بلادنا.

العزيز السعيد بنفرحي ، هنيئا لك بهذا العمل ، وإن المجهود الذي تبذله ونظراؤك ، في خدمة الثقافة المغربية ، على هذا المستوى ، لن يضيع أدراج الرياح . وسيأتي زمان تظهر فيه قيمة هذه المجهودات ، وستبدو أعمالكم ذات مهمة وطنية ، واستجابة لضرورة تاريخية .

سعيد يقطين